الهادي التليلي
يسمونه مصاص الدماء ويسميه بعضهم فارس حلم إسرائيل الكبرى، ويراه كثيرون فاسداً يهرب من محاكماته بالحروب، بنيامين تسيون نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي والذي ولد في 1949 بالقدس المحتلة من أسرة أكاديمية متخصصة في التاريخ الصهيوني خاصة واليهودي على وجه العموم، بنيامين أو كما يحلو لهم تسميته بيبو نشأ في الولايات المتحدة ودرس الهندسة المعمارية وإدارة الإعمال، وعمل في وحدة النخبة والتي يطلق عليها سايرت متكال، وقبل رئاسته للوزراء انخرط في حزب الليكود وعمل سفيراً لدى الأمم المتحدة في الثمانيات.. حكايته مع رئاسة الوزراء تعد الأطرف حيث في عام 1996 فاز في انتخابات مباشرة بترشيح من حزب الليكود الذي قدمه كأصغر رئيس حكومة في تاريخ الكيان الإسرائيلي، ليخسر المنصب بعد ثلاث سنوات فقط وينضم إلى المعارضة أملاً في العودة إلى كرسي رئاسة الوزراء، وهو ما تحقق بعد عشر سنوات ليستمر طويلاً وحتى خروجه في 2021 بعد أن تحالفت عليه المعارضة لم يمنع ذلك من العودة بعد سنة واحدة أو أقل بعد أن تقدم عن ائتلاف انتخابي هو الأقوى في تاريخ الكنيست.
بيبو طوال مسيرته كان يراهن على العنف والقتل مقدماً نفسه على أنه اليد الحديدية القادرة على تحقيق أحلام الدولة اليهودية، لذلك يعتبر الكابوس السياسي لكل منافسيه وشهدت فترات رئاسته كل أصناف التعسف والاعتداء على الشعب الفلسطيني ومقدساته، كما استثمر من تقاربه مع الولايات المتحدة لتحقيق أحلامه التوسعية ورغباته القمعية.
وككل يميني متشدد يرى أن الضربات الاستباقية هي الحل الأميز للظهور بمظهر القوي المهاب طبعاً مع صناعة مبررات على المقاس مثلما حدث في الحرب على إيران، حيث صدر للعالم أن أيران تشكل خطراً نووياً على أمن ومستقبل إسرائيل والمنطقة وأن لها أذرعاً تزعج أمن إسرائيل مثل حزب الله وحماس والحوثيين وغيرهم، وأن إيران تخطط لأعمال عدائية تجاه الولايات المتحدة حتى تجر هذه الأخيرة لحرب لا تعنيها في الأساس.
في الحقيقة أن البيت الداخلي الإسرائيلي كان دافعاً عميقاً لما يقوم به نتنياهو حيث تلاحقه قضايا فساد أحكامها سجنه ولا يمكن أن يتخلص منها إلا بالهروب إلى الأمام بحروب خارجية تجمع الرأي العام الإسرائيلي حوله.
ولو عدنا إلى هذه القضايا نجد أشهر ثلاث قضايا ويمكن تلخيصها في تلقي الرشوة وخيانة الأمانة واستغلال المنصب لمنافع شخصية، ففي القضية عدد 1000 تم اتهامه هو وزوجته بالحصول على هدايا ثمينة من رجال أعمال بقيمة فاقت مئات آلاف الدولارات. وفي القضية عدد 2000 تم اتهامه بشراء ذمة صحيفة كبرى لتبييض صورته مقابل تقزيم صحيفة منافسة لها. أما القضية 4000 فقد اتهم فيها بتقديم امتيازات لشركة اتصالات كبرى مقابل تبييض صورته لدى المجتمع الإسرائيلي من خلال مواقع ووسائل إعلام تابعة لها.
العلاقة الشخصية لنتنياهو مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كانت تمثل له صمام أمان أمام هذه الهزات الداخلية وخاصة بعد دخول أمريكا في الحرب إلى جانب إسرائيل، ولعل محاولات ترمب التوسط له عند الرئيس الإسرائيلي إيزاك هيرتزوغ قصد تفعيل صلاحية العفو الرئاسي في حقه ولكن إيزاك رفض حيث ضاق ذرعاً بملفات بيبو زيادة على تجاوزه الدائم لصلاحياته، ومشاكله مع الدول الغربية جراء الحرب على إيران، وفي الواقع الطرف الأمريكي كان دائماً يحاول الدفاع عن بيبو أمام مؤسسة الرئاسة ولكن بلطف لأن مثل هذه الملفات تجعله دائماً رهن الإشارة.
مشاكل نتنياهو مع النهاية غير المنتظرة من الحرب على إيران وتخلي الجانب الأمريكي عنه أسقطت وهم القوة أمام الجبهة الداخلية، وتحول إلى الشخصية الأكثر انتقاداً بعد أن كان فارس أحلام دولة إسرائيل الكبرى، حتى أن نهاية نتنياهو أصبحت الملف الأكثر تكراراً في الإعلام الإسرائيلي بعد أن كان بمثابة المحرم، وصار الحديث عن البدائل المحتملة، فمثلاً معاريف والقناة 12 الإسرائيلية بينت أن استطلاعات الرأي أظهرت ذلك.كما أن صحيفة هارتس تعرضت لموضوع تآكل صورة نتنياهو في المجتمع الإسرائيلي واصفة إياه بكونه يخوض معركته الأخيرة في البقاء، ونفس الشيء يديعوت أحرنوت اعتبرت أن إخفاقاته الأمنية جعلته على مشارف الانكسار الأكبر في مسيرته.
صحيفة معاريف بدأ كتابها يتحدثون عن نهاية حقبة بيبي وما بعدها تراجعاً كبيراً لبيبو مقابل تصاعد شعبية نفتالي بينيت ويائير لابيد. وفي العالم بدأ الحديث في الإعلام الأمريكي والبريطاني على مرحلة ما بعد بيبو في واشنطن بوست اهتمام كبير بتراجع تأثير بيبو على البيت الأبيض الذي يؤذن بنهايته معتبرة إياه حالياً عبئاً سياسياً political liability، ولعل افتتاحية صحيفة الاندبندنت «جولة انتصار لترمب لكن بداية النهاية لنتنياهو» تراجع قوة نتنياهو الداخلية تخفف من مناعته وحمايته من القضاء، كما أنها تعطي نقاطاً لخصومه الذين منحتهم أخطاؤه فرصة تاريخية لمسحه من المشهد السياسي. وإذا كان رئيس الوزراء الأسبق أريل شارون مات سريرياً ثماني سنوات بعد إصابته بجلطة دماغية حسب زعمهم ليعلن عن وفاته بعد ذلك في 2014، وإذا كان إسحاق رابين قد تم اغتياله من طرف متطرف إسرائيلي في سنة 1995 فكيف ستكون نهاية بنيامين نتنياهو أكثر رؤساء وزراء إسرائيل تعميراً في المنصب والأكثر كرهاً من طرف المجتمع الإنساني في كل المعمورة وتلاحقه المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الإسرائيلية ودماء تلاحقه حياً وميتاً؟