د. أبوبكر إبراهيم محجوب
ما بين الحين والآخر، تظهر لنا «هبّة» جديدة. مطعم يزدحم بشكل غير طبيعي. منتج يختفي فجأة من الأسواق. كتاب يتحدث عنه الجميع. مقهى يتكرر في كل صورة. تطبيق جديد ينتقل بين الناس بسرعة البرق. ثم بعد أسابيع أو أشهر، تتراجع الموجة كأنها لم تكن، لتبدأ أخرى.
قد تبدو هذه الظاهرة جزءًا طبيعيًا من تغير الأذواق وحركة الأسواق، لكن المتأمِل في سرعة انتشارها وحجم تأثيرها يدرك أن ما يحدث اليوم مختلف تماماً عما عرفته المجتمعات في السابق. فالناس كانوا يتأثرون ببعضهم دائمًا؛ كانت الموضات تنتشر، والسلع الرائجة تظهر وتختفي، والأفكار تلقى قبولاً ثم تفقد بريقها. الجديد اليوم ليس وجود الهبّات بذاته، بل السرعة الهائلة التي أصبحت تتشكّل بها، والقدرة غير المسبوقة للأنظمة على تضخيمها وتوجيهها.
طبيعتنا الفطرية:
كشف الاقتصاد السلوكي
قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، حاول الاقتصاد السلوكي تفسير كثير من هذه الظواهر. فقد أثبت أن الإنسان ليس ذلك الكائن العقلاني الصارم الذي يزن كل قرار بدقة قبل اتخاذه. نحن نتأثر بما يفعله الآخرون، ونميل إلى تقليد الجماعة عند غياب اليقين، ونشعر براحة أكبر عندما نسير في الطريق الذي سلكه من قبلنا عدد كبير من الناس.
هذه ليست نقطة ضعف في النفس البشرية بقدر ما هي جزء من طبيعتها الفطرية؛ فالرغبة في الانتماء، والبحث عن القبول الاجتماعي، وتجنب المخاطر، كلها آليات نفسية ساعدت البشر على التعايش والتكيف عبر التاريخ.
ولهذا السبب، كانت بعض المنتجات تنجح قديماً لمجرد أنها أصبحت شائعة، وكانت بعض الأفكار تنتشر لأنها بدت مقبولة اجتماعياً، وكانت بعض العلامات التجارية تكتسب قوتها من شعور الناس بأن الجميع يستخدمها. لكن الاقتصاد السلوكي، رغم كل ما قدمه من فهم عميق، كان يفسر الظاهرة الاستهلاكية أكثر مما يصنعها.
التحول الكبير: دخول الذكاء الاصطناعي
حتى جاء الذكاء الاصطناعي، ومعه حدث الانقلاب الحقيقي في المعادلة. ففي الماضي، كانت الشركات والمؤسسات تستخدم «الملاحظة»؛ تدرس السلوك «بعد حدوثه». تراقب ما اشتراه الناس، وما أعجبهم، وما تجاهلوه، ثم تحاول بناء قراراتها المستقبلية بناءً على تلك الملاحظات المرصودة. أما اليوم، فأصبحت المنصات الرقمية قادرة على التقاط آلاف الإشارات الصغيرة التي يتركها المستخدم يومياً في الزمن الحقيقي؛ ما الذي شاهده؟ ما الذي تجاهله؟ أين توقفت شاشته؟ وعن ماذا بحث؟ وما الذي دفعه نقراً أو تعليقاً للتفاعل؟ كل هذه التفاصيل تحولت إلى مادة خام لبناء «فهم فوري ودقيق» للسلوك البشري.
ولأن الإنسان يتأثر بطبيعته بما يراه متكرراً ومقبولاً اجتماعياً، أصبح من الممكن «خوارزمياً» تضخيم بعض الإشارات العابرة وتحويلها إلى موجات واسعة الانتشار خلال فترة قصيرة جداً. وبذلك لم تعد المنصات تكتفي برصد الهبّات، بل أصبحت قادرة على تسريعها وتوليدها بشكل غير مألوف.
المنتج الذي يحظى ببعض الاهتمام الأولي، تمنحه الخوارزمية مزيداً من الظهور. وكلما ازداد ظهوره، ازداد الإقبال عليه. وكلما ازداد الإقبال، تضاعف حضوره في المشهد الرقمي. وهكذا تدخل المجتمعات في دائرة تضخيم خوارزمية مستمرة، تجعل بعض الظواهر العادية تبدو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي وقيمتها الفعلية.
المفارقة: وهم الخيارات اللامحدودة
لهذا السبب تحديداً، نرى أحياناً أن مجتمعاً كاملاً يتحدث عن الشيء نفسه، أو يزور المكان نفسه، أو يشتري المنتج نفسه، أو يتبنى الرأي نفسه في فترة زمنية وجيزة. ليس لأن الجميع اتخذ القرار ذاته بشكل مستقل وعقلاني، بل لأن البيئة الرقمية الذكية جعلت بعض الخيارات دون غيرها هي الأكثر حضوراً بكثير.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ يعتقد الناس اليوم أنهم يعيشون عصر الخيارات اللامحدودة والحرية المطلقة، بينما الواقع يشير إلى أن كثيراً من هذه الخيارات يمر طواعية عبر القنوات نفسها، ويتأثر بالإشارات نفسها، ويخضع لآليات الهندسة والتأثير السلوكي ذاتها.
الوعي: خط الدفاع الأخير
هل المشكلة في وجود الهبّات ذاتها؟ بالتأكيد لا؛ فالمجتمعات ستظل تتأثر ببعضها، وستظل الأذواق تتغير، وستظل بعض المنتجات والأفكار أكثر جاذبية من غيرها بطبيعة الحال. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يفقد الإنسان وعيه بالطريقة التي تتشكل بها اختياراته اليومية.
عندما يصبح الانضمام إلى الموجة الاندفاعية أسهل من التساؤل عنها.
عندما يصبح مجرد انتشار الشيء دليلاً كافياً على جودته.
وعندما تتحول الشهرة الافتراضية إلى بديل كامل عن التقييم الحقيقي والمنفعة الواقعية.
إن قوة المجتمعات ونضجها لا يظهر في قدرتها على مواكبة وصناعة الهبّات، بل في قدرة أفرادها على تجاوزها؛ في امتلاك الوعي الكافي للتمييز بين ما يحتاجونه فعلاً كبشر، وما انجرفوا إليه فقط لأن الجميع فعل ذلك.
في عصر الذكاء الاصطناعي، سيكون هناك شيء جديد رائج كل يوم، والآلة لن تتوقف عن هندسة رغباتنا. لكن هل نحن نملك القدرة على معرفة أسباب هذا الرواج؟ قد يكون هذا التساؤل البسيط والعميق هو خط الدفاع الأخير عن استقلالية أذواقنا، وحرية خياراتنا، وسيادة وعينا الإنساني في زمن تتسارع فيه الموجات أكثر من أي وقت مضى.