صبحي شبانة
في السياسة الدولية لا تكمن أهمية الاتفاقات في لحظة توقيعها بقدر ما تكمن في قدرتها على الصمود أمام التحديات التي تواجهها ، فالتاريخ مليء باتفاقات استقبلها العالم باعتبارها اختراقات كبرى ثم تلاشت آثارها بعد أشهر قليلة، كما أن هناك اتفاقات بدت متواضعة عند ولادتها لكنها تحولت لاحقاً إلى محطات مفصلية غيرت مسارات الصراعات وأعادت رسم خرائط النفوذ وموازين القوى، ومن هنا يكتسب الجدل الدائر اليوم حول الاتفاق الأمريكي - الإيراني الجديد أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب ما يمثله من تحول في العلاقة بين واشنطن وطهران، وإنما أيضاً بسبب الرجل الذي يقف خلفه، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أمضى سنوات طويلة وهو يهاجم الاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس باراك أوباما عام 2015 ويصفه بأنه أحد أسوأ الاتفاقات التي أبرمتها الولايات المتحدة في تاريخها.
المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أن ترامب، الذي انسحب من اتفاق أوباما وأعاد فرض العقوبات على إيران تحت شعار «الضغوط القصوى»، يجد نفسه اليوم في موقع المدافع عن اتفاق جديد مع طهران، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، فهل نحن أمام اتفاق إستراتيجي حقيقي يمكن أن يضاهي اتفاق 2015 أو يتفوق عليه؟، أم أننا أمام تفاهم سياسي مؤقت فرضته ظروف الحرب والتوتر الإقليمي، وقد لا يصمد طويلاً أمام أول اختبار جدي؟، لفهم طبيعة الجدل الحالي لا بد من العودة إلى الخلف قليلاً، فعندما تم توقيع الاتفاق النووي عام 2015 لم يكن الأمر مجرد لقاء سياسي أو إعلان مبادئ، لقد كان حصيلة سنوات من العمل الدبلوماسي المعقد ومفاوضات استمرت قرابة عامين بين إيران ومجموعة الدول الكبرى التي ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، ولم يكن الاتفاق مجرد ورقة سياسية عامة، بل وثيقة شديدة التعقيد تضمنت تفاصيل فنية وقانونية دقيقة تحدد مستوى تخصيب اليورانيوم الذي يسمح لإيران بالوصول إليه، وعدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن تشغيلها، وحجم المخزون النووي المسموح به، وآليات التفتيش والرقابة الدولية، وجدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية، فضلاً عن إجراءات محددة للتعامل مع أي خرق محتمل من أي طرف، بمعنى آخر، كان الاتفاق النووي في عهد أوباما مشروعاً متكاملاً يهدف إلى إدارة الملف النووي الإيراني لعقد كامل أو أكثر من خلال منظومة معقدة من الالتزامات والرقابة والضمانات الدولية، ولهذا السبب اعتبره مؤيدوه إنجازاً دبلوماسياً غير مسبوق، بينما رأى منتقدوه أنه منح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة مقابل تنازلات مؤقتة يمكن الالتفاف عليها مستقبلاً.
عندما وصل ترامب إلى البيت الأبيض حمل رؤية مختلفة تماماً، فقد اعتبر أن الاتفاق النووي السابق لم يعالج السلوك الإقليمي الإيراني، ولم يوقف برنامج الصواريخ الباليستية، ولم يمنع طهران من مواصلة بناء نفوذها في عدد من دول المنطقة، ومن هذا المنطلق قرر الانسحاب من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة على إيران، معتقداً أن سياسة الضغوط القصوى ستدفعها في النهاية إلى القبول باتفاق أكثر صرامة وشمولاً، لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن الواقع أكثر تعقيداً مما كان يتصور كثيرون، فإيران لم تنهَار اقتصادياً رغم العقوبات، كما لم تتخل عن برنامجها النووي، بل قامت بتوسيع بعض أنشطتها النووية تدريجياً، وفي المقابل لم تنجح الولايات المتحدة في الوصول إلى اتفاق بديل، وبقيت المنطقة تعيش حالة مستمرة من التوتر والتصعيد المتبادل، ومع مرور الوقت أصبح واضحاً أن الضغوط الاقتصادية وحدها لا تكفي لحسم الصراع، وأن واشنطن ستجد نفسها عاجلاً أم آجلاً مضطرة للعودة إلى طاولة التفاوض، وهنا تحديداً تبدأ المفارقة الكبرى، فالرجل الذي غادر الاتفاق النووي بحجة أنه ضعيف وغير كافٍ عاد إلى التفاوض مع إيران، لكن ضمن ظروف مختلفة تماماً، فالاتفاق الجديد لم يولد بعد سنوات من المفاوضات الهادئة كما حدث في عهد أوباما، بل جاء في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق، ومخاوف حقيقية من اتساع نطاق المواجهة في الشرق الأوسط، وقلق عالمي من تأثير الحرب على الاقتصاد الدولي وأسواق الطاقة والملاحة البحرية.
لهذا السبب يبدو الاتفاق الجديد مختلفاً في فلسفته وأهدافه، فأولوية اتفاق أوباما كانت إدارة الملف النووي الإيراني، بينما تبدو أولوية الاتفاق الحالي منع الانفجار الكبير وإيقاف دوامة التصعيد وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد، وهذا الاختلاف الجوهري هو الذي يدفع كثيراً من الخبراء إلى القول إن المقارنة بين الاتفاقين ليست سهلة، لأن كلاً منهما ولد في ظروف مختلفة ويستهدف أهدافاً مختلفة، ومع ذلك فإن الانتقادات لا تتوقف فالكثير من العواصم الغربية والإقليمية تنظر إلى الاتفاق الجديد باعتباره أقل وضوحاً وأقل صرامة من اتفاق 2015، ففي حين احتوى الاتفاق السابق على تفاصيل دقيقة يمكن قياسها والتحقق منها، لا تزال أجزاء مهمة من الاتفاق الحالي تعتمد على تفاهمات سياسية وإجراءات يفترض أن يتم التفاوض حولها لاحقاً، وهذا ما يدفع المنتقدين إلى وصفه بأنه أقرب إلى إطار تفاوضي أو إعلان نوايا منه إلى اتفاق نهائي مكتمل الأركان.
السبب الرئيس لهذا القلق يعود إلى أن الاتفاقات الدولية القوية لا تقوم على الثقة وحدها، بل على وجود التزامات واضحة وآليات تحقق دقيقة وضمانات قابلة للتنفيذ، وكلما زادت المساحات الغامضة داخل أي اتفاق، ازدادت احتمالات اختلاف التفسيرات وتفاقمت مخاطر الانهيار عند أول أزمة، ولهذا فإن كثيراً من الخبراء الأوروبيين يتساءلون اليوم عما إذا كانت الوثيقة الجديدة قادرة فعلاً على منع عودة الأزمة النووية بعد أشهر أو سنوات، وتزداد هذه المخاوف بسبب غياب بعض العناصر التي ميزت اتفاق 2015، فالاتفاق السابق لم يكن اتفاقاً أمريكياً إيرانياً فقط، بل كان اتفاقاً دولياً متعدد الأطراف شاركت في صياغته ورعايته قوى عالمية كبرى، أما الاتفاق الحالي فيبدو أكثر ارتباطاً بالحسابات الثنائية بين واشنطن وطهران، وهو ما يقلل من حجم الضمانات الدولية المتاحة لحمايته إذا تبدلت الظروف السياسية مستقبلاً، كما أن هناك تساؤلات أخرى لا تقل أهمية تتعلق بموقف الدول الإقليمية، فبعض دول المنطقة لا تنظر إلى القضية من زاوية البرنامج النووي فقط، بل من زاوية النفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة التحالفات والصراعات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، ولذلك فإنها تتساءل عما إذا كان الاتفاق الجديد سيتعامل مع هذه الملفات أم سيقتصر على إدارة الأزمة النووية ووقف التصعيد العسكري المباشر، في المقابل يرى مؤيدو الاتفاق أن هذه الانتقادات تتجاهل طبيعة اللحظة الحالية، فالعالم من وجهة نظرهم، لم يكن بحاجة إلى اتفاق مثالي بقدر حاجته إلى منع حرب قد تخرج عن السيطرة، وهم يجادلون بأن وقف التصعيد وفتح قنوات الاتصال وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض تمثل أهدافاً واقعية أكثر من السعي إلى صياغة اتفاق شامل دفعة واحدة، لكن حتى هؤلاء المؤيدين لا يستطيعون تجاهل السؤال الأصعب: هل تورط ترامب سياسياً في اتفاق يشبه ما كان ينتقده سابقاً؟.
الحقيقة أن الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فأنصار ترامب يقولون إن الاتفاق الجديد يختلف جوهرياً عن اتفاق أوباما لأنه لا يمنح إيران الشرعية السياسية والاقتصادية نفسها التي منحها إياها الاتفاق السابق، كما أنه جاء بعد استخدام أدوات ضغط وعقوبات لم تكن موجودة في عهد أوباما، أما خصومه فيرون أن مجرد العودة إلى التفاوض مع إيران يمثل اعترافاً ضمنياً بأن سياسة الانسحاب من الاتفاق السابق لم تحقق أهدافها بالكامل، وأن واشنطن عادت في النهاية إلى المسار الذي حاول ترامب نفسه إغلاقه قبل سنوات، وربما تكمن الحقيقة في مكان ما بين هذين الرأيين، فالسياسة الدولية نادراً ما تعرف الانتصارات الكاملة أو الهزائم الكاملة، وغالباً ما تجد الدول نفسها مضطرة للتعامل مع الوقائع كما هي لا كما تتمنى أن تكون، ولذلك قد يكون ما نشهده اليوم تعبيراً عن إدراك أمريكي بأن إدارة الصراع مع إيران أكثر واقعية من محاولة حسمه بصورة نهائية.
أما السؤال الأكثر أهمية فيتعلق بمستقبل الاتفاق نفسه. فهل يمكن أن يصمد؟، الإجابة الصادقة هي أن أحداً لا يملك يقيناً كاملاً، فالعلاقات الأمريكية الإيرانية تعاني من تراكم هائل من الشكوك والعداء المتبادل يمتد لما يقرب من خمسة عقود، وإيران ما زالت تتذكر أن الولايات المتحدة انسحبت من اتفاق دولي كانت جزءاً منه، بينما تتذكر واشنطن سنوات طويلة من التوتر والصدامات المباشرة وغير المباشرة مع طهران، وفي ظل هذا الإرث الثقيل تصبح الثقة سلعة نادرة للغاية، كما أن مستقبل الاتفاق لن يتوقف على واشنطن وطهران وحدهما، فهناك أطراف إقليمية عديدة تراقب التطورات عن كثب، وهناك مصالح دولية متشابكة، وهناك ملفات معلقة لم تُحسم بعد، ولذلك فإن نجاح الاتفاق سيتوقف على قدرة جميع الأطراف على تحويل التهدئة الحالية إلى مسار سياسي مستدام، وليس مجرد فترة استراحة مؤقتة بين جولة وأخرى من الصراع.
وفي النهاية قد يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان ترامب قد وقع اتفاقاً أفضل أو أسوأ من اتفاق أوباما، بل ما إذا كان الاتفاق الجديد قادراً على معالجة المشكلات التي عجزت كل الاتفاقات السابقة عن حلها، فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات لا تقاس بعدد الصفحات التي تحتويها ولا بعدد القادة الذين يوقعونها، بل بقدرتها على تغيير الواقع، وحتى الآن لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي، لكن المؤكد أن العالم يقف أمام تجربة جديدة ستحدد نتائجها ليس فقط مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، بل أيضاً شكل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، وربما لهذا السبب بالتحديد ينظر كثير من المراقبين إلى ما جرى ليس باعتباره نهاية أزمة، بل بداية اختبار جديد قد يثبت أن الاتفاق كان نقطة تحول تاريخية، أو يكشف أنه لم يكن أكثر من هدنة مؤقتة أجلت المواجهة دون أن تنهي أسبابها.