د.شريف بن محمد الأتربي
تظل النظم التعليمية محكومة باعتبارات مجتمعية ونفسية وسيكولوجية تأطر تحرك الطلبة في إطار زمني محدد ربما يمكن تجاوزه بسنة أو سنتين ولكن تظل رحلة تعلم الطلبة محكومة بمثل هذه الاعتبارات، ولكن لو نظرنا لنفس هذه الرحلة التعليمية الآن وخاصة مع تغير نمط النمو البشري نتيجة التغيرات التقنية والاجتماعية والجيوسياسية وتأثيرها الواضح على البنية المتكاملة للطلبة؛ لوجدنا أن طالب المرحلة الابتدائية اليوم يضارع طالب المرحلة الثانوية في السابق، بل يكاد يفوقه بنماذج المعرفة التي يتقنها، لذا فتبني نظام تعليمي جديد يعتمد على المهارة- كما أشار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في تصريح له سابقاً- ويعطي الطلبة مساحة أكبر لتنمية مهاراتهم وقدراتهم والملكات التي وهبهم الله إياها، وأقامنا نظاماً جديداً يصنف الطلبة حسب المهارات وليس حسب المعرفة لاستطعنا توظيف الآلاف من المتميزين في سوق العمل سنويا وتجنبنا تخريج عاطلين أو قوى عاملة معطلة لعدم توافق مكتسباتهم المعرفية والعلمية مع مهارات سوق العمل الجديد.
فمنذ ظهور المدرسة النظامية في القرن التاسع عشر، ظلت الرحلة التعليمية للطالب محكومة بثلاثة قيود صارمة: الزمن، والعمر، والمعرفة. ندخل الصف الأول في سن السادسة، ونتخرج بعد اثنتي عشرة سنة، سواء أتقنا المهارة أم لا، وسواء نضجنا مبكراً أم تأخرنا. وُلد هذا النموذج لخدمة مصانع القرن الصناعي التي احتاجت عمالةً متشابهة ومنضبطة، لا مبدعين مختلفين ومتميزين.
لكن الطالب الذي يجلس اليوم على مقعده في المرحلة الابتدائية ليس طالب الأمس. إنه يتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ويبرمج ألعابه الإلكترونية، ويستوعب مفاهيم اقتصادية بالغة التعقيد تفوق ما كان يستوعبه خريج ثانوي قبل عقدين من الزمن. تغيّرت «بنية الطالب» تغيّراً جوهرياً بفعل ثلاثة زلازل متزامنة:
أولها الزلزال التقني: حيث لم تعد المعرفة نادرة ولا حكراً على من يملك الكتاب أو يجلس في الفصل، لقد جعل الإنترنت والمنصات الرقمية المعلومةَ متاحةً في ثانية واحدة، فانتقلت القيمة الحقيقية من «التحفيظ» إلى «التوظيف»، ومن استيعاب المعلومة إلى القدرة على توظيفها في حل مشكلة حقيقية.
ثانيها الزلزال الاجتماعي: حيث لم يعد سوق العمل يسأل «كم معدّلك؟» بل بات يسأل «ماذا تستطيع أن تبني؟» ونصف وظائف عام 2030 لم تُخترَع بعد، فكيف يُعدُّ لها من لا يزال يُدرَّس بمنهج عام 2000؟
ثالثها الزلزال الجيوسياسي: لم تعد الدول تتنافس بمواردها الطبيعية فحسب، بل باتت تتنافس برأس مالها البشري المرن القادر على التكيّف مع المتغيرات المتسارعة.
هنا يظهر السؤال الذي لا مفرّ من مواجهته: لو تغيّر الطالب وتغيّر العالم، لماذا نُصرّ على نظام تعليمي لم يتغير جوهرياً منذ مئة وخمسين عاماً؟
لفهم حجم المأزق، لا بد من استعراض موجز لمسار التعليم عبر عصوره.
في موجته الأولى أواخر القرن التاسع عشر، ارتكز التعليم الحديث على ما بات يُعرف بـ«نموذج المصنع»: صفوف متماثلة، مناهج موحدة، جرس يحدد مواعيد التعلم، ومعلم ينقل المعرفة إلى متلقٍّ سلبي. كان هذا النموذج استجابةً عقلانية تماماً لمتطلبات الثورة الصناعية، وقد أدّى دوره في بناء الدولة الحديثة. ثم جاءت موجة ثانية في منتصف القرن العشرين حين أعاد سباق الفضاء رسمَ الأولويات، فاتجهت الأنظمة نحو التخصص المبكر وتطوير الكوادر العلمية والتقنية. وفي الموجة الثالثة مع العولمة، اتجهت دول العالم نحو ضبط الجودة عبر الاختبارات الدولية الكبرى، فأفضى ذلك إلى ظاهرة «التعليم للاختبار» حيث باتت المدارس تُضيِّق مناهجها لتُحسِّن نتائجها على حساب التعلم الحقيقي.
أما الموجة الرابعة التي نعيشها اليوم فتكشف عن الهوة الهائلة بين ما يتم تعلّمه في المدارس، وما يحتاجه سوق العمل. وقد جاءت جائحة كوفيد-19 لتُسرِّع هذا الكشف وتُظهر هشاشة النماذج التقليدية أمام أي اضطراب جذري. والقاسم المشترك بين كل الإصلاحات الناجحة في هذه المرحلة يتلخص في انتقال واحد: من التعليم المبني على الوقت إلى التعليم المبني على الكفاءة.
ولتعميق فهم طبيعة العملية التعليمية واختلافها عن منظورها السابق أجد أن هناك العديد من الدول سارعت إلى تغيير مفهوم التعليم لديها وابتكرت نموذج تعليميا خاص بها أصبح الآن من النماذج العالمية التي تحاول ـن تحاكيها الكثير من الدول في متلف تصنيفات الدول من العوالم التي اخترعها الغرب.
دروس من تجارب عالمية رائدة
فنلندا (1970): ألغت الاختبارات الموحدة التوجيه التربوي في المرحلة الابتدائية، وقلّصت الواجبات المنزلية بنسبة خمسين بالمئة، وأعطت المعلم ثقةً كاملة في تصميم تجربة التعلم المناسبة لطلابه. النتيجة كانت تصدّر مؤشرات PISA لعقدين متتاليين. الدرس: الثقة بالمعلم والطالب تُطلق الإبداع أكثر مما تفعله أي مناهج مُكثَّفة.
سنغافورة (1997): أطلقت شعارها الشهير «Teach Less, Learn More»، وقلّصت حجم المنهج عشرين بالمئة لصالح المشروعات والمهارات والتفكير النقدي. تحوّلت خلال عقدين من دولة نامية إلى قوة اقتصادية معرفية عالمية. الدرس: الحذف الذكي من المنهج أنفع من الإضافة المتراكمة.
نيوزيلندا (2007): اعتمدت «المنهج القائم على الكفايات»، إذ يتقدم الطالب إلى المستوى التالي حين يُتقن المهارة فعلاً لا حين تنتهي السنة الدراسية. بعض الطلاب ينهون رياضيات المرحلة الثانوية في سن الثالثة عشرة، وآخرون يأخذون وقتاً أطول في الكتابة الإبداعية، وكلاهما على المسار الصحيح. الدرس: الزمن خادم للتعلم لا سيّده.
في أمريكا (Khan Lab School): نموذج يُلغي الصفوف والأجراس ويُتيح للطالب التقدم عبر ثمانية مستويات مهارية في كل مادة وفق إيقاعه الخاص. طفل في العاشرة قد يكون في مستوى رياضيات الثانية عشرة، دون أن يكون ذلك مصدر قلق، بل مصدر فخر. الدرس: عمر الطالب وصفّه الدراسي ليسا المقياس الحقيقي لمستواه.
السعودية ونظام «التعلم المرن»: من الرؤية إلى النموذج
في هذا السياق تأتي رؤية سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- نحو تحويل منظومة التعليم من نموذج المعرفة إلى نموذج المهارة، لتكون استجابةً مبنيةً على قراءة دقيقة للواقع لا مجرد استجابة للضغوط الدولية. الاقتصاد الذي تسعى رؤية 2030 لبنائه - اقتصاد التنويع والإبداع والمعرفة - يحتاج من الإنسان السعودي مهاراتٍ لا تُورَّث بالمحاضرة، ولا تُقاس بالامتحان التقليدي.
الفكرة الجوهرية التي يمكن أن يرتكز عليها هذا النظام الجديد بسيطة في صياغتها وعميقة في أثرها:
أولاً: تفكيك السلم الزمني. بدلاً من «الصف الأول، الثاني، الثالث»، يُبنى النظام على مستويات مهارية واضحة: مستوى أول في تحليل البيانات، مستوى ثانٍ في البرمجة، مستوى ثالث في القيادة والمبادرة. الطالب يتقدم في المهارة التي يتقنها ويأخذ وقته في التي تحتاج جهداً إضافياً، دون أن يُكبَّل بسنة دراسية تنتهي سواء أتقن أم لا.
ثانياً: المحفظة المهارية بدل الشهادة. خريج المرحلة الثانوية لا يحمل «معدل خمسة وتسعين بالمئة» فحسب، بل يحمل محفظة إنجازات تُثبت: صمّم تطبيقاً، وأدار مشروعاً تطوعياً، وحلّل بيانات شركة حقيقية. هذه المحفظة هي التي تُخاطب سوق العمل بلغته الحقيقية.
ثالثاً: المعلم كـCoach لا ملقِّن. دور المعلم في هذا النظام اكتشاف الملكات التي وهب الله كل طالب إياها وتسريعها، لا تلقين منهج موحد لأربعين طالباً مختلفين. هذا التحول يستدعي استثماراً ضخماً في تطوير الكفاءات التدريسية وثقافة الفصل الدراسي برمتها.
النتيجة الاقتصادية: من العطالة إلى التوظيف الفوري
المنطق الاقتصادي وحده كافٍ لتبرير هذا التحوّل. لو صنّفنا أربعمئة ألف خريج سنوياً وفق مهارات سوق العمل الفعلية بدلاً من مواد حفظوها، وجدنا أننا سنوظّف آلاف المتميزين فور تخرجهم، وسنتجنب مأساة «الخريج العاطل» الذي لا يعاني من قصور شخصي، بل يعاني من قصور في منظومة أعدّته لوظائف في طريق التلاشي.
يُضاف إلى ذلك بُعد اجتماعي عميق.
النظام الذي يُصنِّف الطلاب وفق التحصيل الأكاديمي يُهمِّش في الوقت ذاته موهوبين في الفنون والحرف والتصميم وريادة الأعمال، دافعاً إياهم إلى هامش المنظومة لا لقصور فيهم، بل لأن معيار النجاح فيها لا يُشبههم. النظام القائم على المهارة يستوعب هذا التنوع ويُحوِّله من عبء إلى ثروة وطنية.
التحدي الحقيقي: ثقافي قبل أن يكون تقنياً
أصعب ما في النظام الجديد ليس بناء المنصة الرقمية أو تطوير المحتوى، بل إقناع المجتمع بأن «ابنك في مستوى سابع برمجة وعمره اثنا عشر عاماً» إنجاز أكبر من «ابن الجيران في الثالث المتوسط ومعدله تسعون بالمئة». الوعي المجتمعي بمعنى النجاح هو المعركة الحقيقية، وهي معركة لا تُكسب بالقرارات وحدها، بل بالتواصل والإقناع والنماذج الناجحة المُعلَنة.
غير أن السعودية تمتلك اليوم ما لا تمتلكه كثير من الدول الراغبة في الإصلاح:
البنية التحتية الرقمية الجاهزة: منصة مدرستي، ومنصة عين، وقدرات الذكاء الاصطناعي التعليمي المتنامية، كلها أدوات تجعل التحول التقني ممكناً دون الحاجة إلى بناء من الصفر.
البنية الديموغرافية الاستثنائية: أكثر من ستين بالمئة من السكان دون سن الثلاثين، أي أن كل عام تأخير يعني جيلاً إضافياً يتخرج على نموذج لا يُشبه المستقبل الذي ينتظره.
الإرادة السياسية الصريحة: حين تتحول رؤية المهارة إلى سياسة تعليمية رسمية معتمدة، يصبح التغيير ممكناً بسرعة غير مسبوقة.
خاتمة:
إعادة تعريف التخرج
نحن لا نحتاج «تطوير مناهج» فحسب. نحتاج إعادة تعريف معنى التخرج ذاته. التخرج الحقيقي ليس لحظة انتهاء السنة الدراسية، بل لحظة إثبات الكفاءة وإعلان الاستعداد. حين يُفكّ ارتباط «العمر بالصف» ويُربط «المهارة بالفرصة»، تبدأ دائرة الخلق الحقيقية بالدوران.
إذا نجحت المملكة العربية السعودية في إطلاق هذا النموذج، فستكون أول دولة تبني نظاماً تعليمياً مُصمَّماً لعصر الذكاء الاصطناعي، لا لعصر المصانع.
وحينها لن نُصدِّر النفط فحسب، بل سنُصدِّر نموذج تعليم يقلده العالم.
السؤال ليس إن كانت السعودية قادرةً على ذلك. السؤال هو: هل ستُبادر إليه قبل أن تُضطر إليه؟ لأن الفرق بين الخيارين قد يكون جيلاً بأكمله.