منصور بن صالح العُمري
حين يطوي العام آخر أيامه، لا يرحل وحده، بل يحمل معه قطعةً من أعمارنا لن تعود أبداً. يمضي كما تمضي القوافل في الصحراء؛ تترك وراءها آثار الأقدام ثم تمحوها الرياح، فلا يبقى منها إلا الذكرى. وما أكثر ما نظن الأعوام طويلةً حين نستقبلها، فإذا ودعناها وجدناها أقصر من أن تحتمل كل ما أرجأناه فيها من أحلام، وأسرع من أن نحصي ما انقضى من لحظاتها.
وفي نهاية العام يقف الإنسان أمام حقيقةٍ لا يملك الفرار منها: أن العمر ليس ما ينتظره في الغد، بل ما مضى منه بالأمس. فالأيام القادمة أملٌ مجهول، أما الأيام الراحلة فهي رأس المال الذي أُنفق وانتهى أمره، وقد أُودع في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. إن الحقيقة الكبرى أن أعمارنا لا تفنى بمرور السنين ، بل بالتفريط فيها دون قرب من الله.
غير أن أجمل ما في هذه الوقفة أنها لا تقتصر على محاسبة التقصير، بل تمتد إلى تأمل فيض النعم التي أغرقنا الله بها حتى ألفتها القلوب. فكم من أمرٍ كان يملأ ليالينا قلقاً وترقباً، وكم من أمنيةٍ شغلت الدعوات في الأسحار، وكم من مطلبٍ ظنناه بعيداً ثم ساقه الله إلينا بلطفه. يومها كنا نترقب حدوثه بشغف، ونحسب بلوغه فتحاً عظيماً، فلما تحقق وأصبح جزءاً من حياتنا هدأت دهشتنا به، حتى كدنا ننسى أنه كان يوماً أمنيةً كبرى.
إن من طبيعة النفس أنها تتذكر ما تأخر عنها، وتغفل عما استقر بين يديها. ترفع بصرها إلى ما ينقصها، ولا تلتفت كثيراً إلى ما أُعطيت. ولذلك فإن نهاية العام ليست مناسبةً لعدّ ما فقدناه فقط، بل فرصةٌ لاستحضار ما وهبنا الله من عافيةٍ كنا نخشى فقدها، وأحبةٍ كنا ندعو لبقائهم، وأبوابٍ من الخير فُتحت لنا بعدما كانت موصدة.
ولعل من أعظم صور الغفلة أن تتحول النعمة من آيةٍ تملأ القلب امتناناً إلى مشهدٍ يوميٍّ لا يثير في النفس شعور الشكر. فالصحة التي نعيشها اليوم حلمٌ لكثيرٍ من المرضى، والأمن الذي ننعم به أمنيةٌ لملايين الخائفين، ووجود من نحب حولنا رزقٌ لا يعرف قيمته إلا من فقده. وما أكثر ما نلتفت إلى ما ليس عندنا، ونمر سريعاً على كنوزٍ عظيمةٍ أكرمنا الله بها.
ثم يطل العام الجديد كصفحةٍ بيضاء لم يُكتب فيها شيء بعد، لا يحمل وعداً لأحد، ولا عهداً بالبقاء لأحد، لكنه يفتح باباً جديداً للعمل والأمل. وليس التجدد الحقيقي أن تتبدل أرقام السنين، بل أن تتبدل أحوال القلوب؛ أن يكون القادم أصلح من الماضي، وأن تكون التجارب التي مررنا بها سلماً نرتقي به لا عبئاً نحمله.
لقد علمتنا الهجرة النبوية أن الطريق إلى الآفاق الرحبة يبدأ بخطوة صدق، وأن مع العسر يسراً، وأن الله إذا فتح لعبده باب التوفيق أغناه عن كثيرٍ من الأماني التي كان يطاردها. فما دام القلب متصلاً بربه، فإن ما فات يمكن تداركه، وما انكسر يمكن جبره، وما تعثر يمكن أن ينهض من جديد.
فيا رب، وقد انقضى من أعمارنا عام آخر لحق بما مضى قبله، نسألك أن تجعل ما مضى شاهداً لنا لا علينا، وأن تغفر ما زلت به الأقدام، وما غفلت عنه القلوب، وما قصرت فيه النفوس. اللهم أيقظ فينا نعمة الشكر قبل أن نستشعر مرارة الفقد، واملأ أعوامنا المقبلة بطاعتك، وبارك لنا فيما بقي من العمر.