د. عبدالمحسن الرحيمي
عندما مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 لاكتشاف تقنية تحرير المادة الوراثية، لم يكن الأمر احتفاءً علمياً عابراً، بل إعلاناً ضمنياً عن دخول البشرية مرحلة مختلفة في فهم المرض والإنسان معاً. فالمادة الوراثية التي ظلت لعقود طويلة أشبه بخريطة دقيقة تُقرأ لفهم الأسباب الكامنة خلف الأمراض، بدأت تتحول إلى مساحة أوسع للفهم، والتوقع، وربما التدخل، بما يغيِّر العلاقة التقليدية بين الإنسان ومرضه.
غير أن التحولات العلمية الكبرى لا تُقاس فقط بما تضيفه من إمكانات علاجية، بل بما تفرضه من أسئلة جديدة. فكل اكتشاف يغيِّر حدود المعرفة يعيد، بطريقة غير مباشرة، تعريف مفاهيم ظلت مستقرة لعقود طويلة. وربما لم يعد الأمن الصحي استثناءً من ذلك.
فالطب الحديث، على امتداد عقود، تأسس على منطق الاستجابة؛ مرض يظهر، وتشخيص يتحدد، وعلاج يُقدَّم، ثم تُبنى السياسات الصحية على فهم تراكمات ما حدث. أما التحولات الجارية اليوم فتدفع باتجاه تصور مختلف؛ تصور لا يكتفي بتفسير المرض بعد ظهوره، بل يحاول قراءة احتمالاته قبل أن يتحول إلى عبء صحي واسع.
وفي هذا التحول، لم تعد البيانات الجينومية مجرد أداة بحثية أو ملف علمي متخصص، بل أصبحت طبقة من المعرفة ذات قيمة إستراتيجية متزايدة. فالقدرة على فهم الفروق الوراثية بين الأفراد والمجتمعات، وتحليل الاستعدادات المرضية، وربط الخصائص الحيوية بالاستجابة العلاجية، تفتح المجال أمام طب أكثر دقة، لكنها تفتح في الوقت ذاته سؤالاً أكثر عمقاً: من يملك المعرفة البيولوجية للمجتمعات؟
هذا السؤال لا ينتمي إلى الخيال العلمي بقدر ما ينتمي إلى التحولات الواقعية التي يشهدها العالم. فالدول لم تعد تتنافس على الموارد الطبيعية وحدها، ولا على المعرفة التقنية المجردة فقط، بل بدأت تدخل بصورة متزايدة في سباق يتعلِّق بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة الحيوية، وتحليلها، وتوظيفها في بناء قرارات صحية أكثر كفاءة واستقلالية.
فالبيانات المرتبطة بالمادة الوراثية لا تشبه كثيراً البيانات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السلوكية؛ إذ لا تكشف أنماط الاستهلاك أو التفضيلات العامة، بل تقترب من فهم البنية البيولوجية ذاتها، بما تحمله من دلالات تتعلَّق بالقابلية المرضية، والاستجابة العلاجية، والفروق السكانية التي قد تؤثِّر في أنماط المرض والصحة العامة.
ولأن قيمة البيانات تتضاعف كلما ارتفعت القدرة على تحليلها، جاءت الحوسبة المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتضيف بعداً جديداً للمشهد. فلم تعد القضية مجرد امتلاك بيانات صحية ضخمة، بل القدرة على تحويلها إلى معرفة قابلة للفعل؛ معرفة تساعد على التنبؤ بالمخاطر، وفهم الإشارات المبكرة، وتصميم تدخلات صحية أكثر دقة، وتقليل الهدر العلاجي الذي طالما استنزف الأنظمة الصحية حول العالم.
وفي هذا السياق، بدأت أسئلة جديدة تفرض نفسها بهدوء، لكنها شديدة الحساسية: أين تُخزَّن المعرفة البيولوجية للمجتمعات؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وكيف تُدار؟ وهل يمكن بناء جاهزية صحية حقيقية في ظل اعتماد كامل على نماذج معرفية تُنتج خارج الحدود؟
السؤال هنا لا يقوم على افتراضات درامية أو سرديات مبالغ فيها عن أخطار بيولوجية موجهة ضد جماعات بعينها، بل على فكرة أكثر واقعية وأبعد أثراً: كل معرفة إستراتيجية تعيد تشكيل موازين القدرة بصورة أو بأخرى. وإذا كانت الطاقة قد أعادت تعريف النفوذ الاقتصادي، وكانت البيانات الرقمية قد أعادت تشكيل النفوذ التقني، فإن المعرفة البيولوجية تبدو مرشحة لأن تصبح أحد مكونات القوة الصحية في العقود القادمة.
وقد كشفت الجائحة العالمية الأخيرة، وما رافقها من اضطراب في سلاسل الإمداد الدوائي واللقاحات، عن هشاشة افتراض قديم مفاده أن الوصول إلى المعرفة الطبية سيظل متاحاً بالقدر نفسه لجميع الدول في لحظات الأزمات. ففي أوقات الضغط العالمي، يصبح امتلاك القدرة على البحث، والتطوير، والتحليل، والتصنيع، جزءاً من مفهوم المرونة الوطنية لا ترفاً مؤسسياً.
ومن هنا يمكن فهم بعض التحولات الجارية في المملكة بصورة أعمق من مجرد التوسع في الخدمات الصحية أو تحديث البنية الطبية. فما يجري لا يبدو معزولاً عن إدراك متزايد بأن الصحة في صورتها القادمة ستكون أكثر التصاقاً بالمعرفة، وأن الجاهزية الصحية ستتصل تدريجياً بامتلاك القدرة على فهم المجتمع بيولوجياً، وتحليل بياناته، وتطوير حلول أكثر مواءمة لخصائصه الصحية والسكانية.
فالاستثمار في البحث الحيوي، والاهتمام بالمادة الوراثية، وتطوير الطب الدقيق، وبناء القدرات الوطنية في التقنية الحيوية والبحث الدوائي، والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي الصحي، جميعها تعكس تحولاً أعمق من مجرد تحديث قطاعي؛ تحولاً في تصور معنى الأمن الصحي ذاته، وانتقالاً من نموذج يعتمد على الاستجابة اللاحقة إلى نموذج يراهن على المعرفة والاستباق والقدرة على تقليل المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
ولعل أحد الأسئلة التي ستفرض نفسها على الدول في السنوات القادمة لن يكون: كم عدد المستشفيات التي نملكها؟ بل: إلى أي حد نفهم مجتمعاتنا صحياً؟ وما مقدار قدرتنا على تحويل البيانات إلى قرار، والمعرفة إلى وقاية، والبحث إلى قدرة مستقلة على الفعل؟
فالجاهزية الصحية القادمة قد لا تبدأ من المبنى الطبي وحده، بل من المختبر، ومن الحوسبة، ومن الكفاءات الوطنية، ومن القدرة على بناء معرفة صحية مستقلة، ترى الخطر قبل اتساعه، وتقرأ الاحتمالات قبل تحولها إلى وقائع.
وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، لا تعود البيانات الجينومية مجرد تفصيل علمي متقدم، بل تتحول إلى أحد الأسئلة الكبرى في مستقبل الأمن الصحي والسيادة المعرفية.