د. أماني بنت خلف الغامدي
في عالمٍ تتسارع فيه خطى العولمة الرأسمالية، لم تعد الطفولة ذلك الحصن المنيع المعزول عن حسابات الربح والخسارة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأسواق الاستهلاكية استهدافاً وشراسة. ومن بين أبرز مظاهر هذا التحول بشكل واضح في الآونة الأخيرة، تبرز ظاهرة التحول إلى الأنوثة من سن مبكرة، حيث تسعى كبرى شركات مستحضرات التجميل والمكياج إلى غمر الفتيات الصغيرات بمنتجات كانت تاريخياً حكراً على البالغات من الإناث.
ولكن هذا الضخ التجاري الممنهج لا يمثِّل مجرد توسع ذكي في السوق، بل هو ممارسة غير أخلاقية تستهدف سلب الطفولة براءتها وتنميط مفهوم الجمال والأنوثة في قوالب مادية ضيقة.
ومن أبرز ما لاحظت مؤخرا آليات الغمر الاستهلاكي مؤخرا في تحول الشركات إلى استهداف الصغيرات حيث لا تبدأ شركات المكياج غزوها لِعقول الفتيات بشكل فج، بل تتسلل عبر إستراتيجيات تسويقية ناعمة ومدروسة بعناية. تبدأ العملية بتسويق وتلطيف المنتج وتحويله إلى صيغة طفولية؛ فيُعاد تعبئة أدوات التجميل بألوان زاهية، وصور لشخصيات كرتونية محبوبة، ونكهات بطعم الفواكه والحلويات.
هذا المزج المتعمد بين اللعبة ومستحضر التجميل يكسر الخط الفاصل في وعي الطفلة بين عالم اللعب البريء وعالم الرشد الاصطناعي.
ومع صعود منصات التواصل الاجتماعي، تضاعفت هذه الظاهرة بشكل جنوني.
فقد ظهر ما يُعرف بالمؤثرين الأطفال (Kidfluencers) الذين يقومون ببث مقاطع فيديو لروتين العناية بالبشرة والمكياج، محاطين بمنتجات تجميلية باهظة الثمن.
تتابع الفتيات الصغيرات هذه المقاطع بشغف، ويتولد لديهن شعور وهمي بأن استخدام هذه الأدوات هو المعيار الأساسي للقبول الاجتماعي والانتماء إلى عالم الفتيات المواكبات للعصر. ثم يأتي تعزيز تسليع الأنوثة، بل إلغاء الطفولة وتأطير الجسد واعتلائه مكانة أسمى من الروح والخلق.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في هذا التوجه وفي إعادة تعريف مفهوم الأنوثة لدى الطفلة. فبدلاً من أن تنمو الأنثى لتدرك أن قيمتها تنبع من فكرها، وقدراتها، وتطورها النفسي والعقلي، يتم اختزال هويتها بالكامل في المظهر الخارجي.
الأنوثة هنا لا تُعاش كتجربة إنسانية فطرية، بل تُباع وتُشترى كسلعة تحتاج إلى صيانة وتعديل مستمرين.
هذا السعي المحموم لتعليم الصغيرات كيفية إخفاء «عيوب» وجوههن البريئة يزرع لديهن بذور اضطراب تشوِّه الجسد في سن مبكرة.
عندما تشعر طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها أنها بحاجة إلى ملمع شفاه، أو أحمر خدود، أو خافي عيوب لتبدو جميلة، فإن الرسالة الضمنية التي ترسخ في لاوعيها هي:
وجهك الطبيعي وملامحك الطفولية غير كافية وغير مقبولة. وهنا تظهر الأبعاد غير الأخلاقية لسياسات شركات التجميل. ويتجلى السقوط الأخلاقي لهذه الممارسات الرأسمالية في استغلال شركات التجميل لعدم نضج الطفلة النفسي والمعرفي. فالأطفال في المراحل العمرية المبكرة لا يمتلكون التفكير الناقد الذي يمكنهم من تفكيك الرسائل الإعلانية الحقيقية؛ فهم لا يدركون أن خلف الألوان البراقة لعلبة المكياج تكمن خوارزميات ومجالس إدارات تسعى فقط لرفع قيمة أسهمها في البورصة.
علاوة على ذلك، فإن هذا الفعل غير أخلاقي تماماً لأنه يتعدى على حق الطفل في النمو الطبيعي والتدرج العمري.
إن غمر الفتيات بالمكياج يقفز بهن مباشرة من مرحلة الطفولة المعتمدة على اللعب الحركي والاستكشاف، إلى مرحلة المراهقة المصطنعة المليئة بالقلق حول النظرة الاجتماعية والتقييم الجندري.
إنها عملية بلوغ قسري ومبكر مدفوعة بالجشع التجاري.
ولم تقف الأضرار عند الجانب النفسي والاجتماعي بل امتدت للجانب الصحي؛ فالعديد من مستحضرات التجميل الموجهة للأطفال تُصنع من مواد رخيصة ومسرطنة، أو تحتوي على معادن ثقيلة تضر ببشرة الأطفال الرقيقة وتؤثِّر على نموهم الهرموني، وهو أخطر من أي تصور ومع ذلك، يتم التغاضي عن هذه المخاطر في سبيل تحقيق أرباح سريعة.
وفي الختام لا بد لنا أن نسخِّر الإمكانيات التربوية في البيت ومؤسسات التعليم لبناء الوعي المجتمعي والفردي لحماية البراءة لأن استمرار شركات المكياج في غزو عقول وأجساد الفتيات الصغيرات يضع المجتمعات أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية كبرى.
لم يعد الأمر مجرد تسلية أو تقليد للأمهات، بل هو استنزاف ممنهج لثقة الجيل القادم بنفسه، وتدمير منظم لِفطرة الطفولة البريئة. ويتطلب العبور من هذه الأزمة وعياً والدياً صارماً يرفض الانصياع لضغط السوق، وتشريعات قانونية حازمة تمنع توجيه الإعلانات التجميلية للأطفال دون السن القانونية، بالإضافة إلى دور تربوي للمدارس يُعيد الاعتبار للقيم الداخلية، والمهارات، والإبداع كمعايير حقيقية لتقدير الذات.
إن حماية الفتيات من التحول إلى سلع هو دفاع عن حق الإنسان في أن يعيش كل مرحلة من عمره بكرامة وأصالة، بعيداً عن ألوان الماكياج الزائفة التي تُخفي خلفها جشع الرأسمالية.