صالح الشادي
ليس الوجه في اللغة العربية مجرد عضو من أعضاء الجسد، بل هو عنوان الوجود الإنساني كله، والمرآة التي تعكس ما تخفيه الذات من كرامة أو ذل، وعز أو مهانة. وإذا انضم إليه الماء، ذلك العنصر الذي به حياة كل شيء، صارت العبارة «حفظ ماء الوجه» أبلغ ما يكون من تعبيرات عن الحفاظ على الكرامة في أزهى صورها وأكثرها بهاء. فماء الوجه هو نضرته ووقاره، وهو تلك الهالة التي تجعل الإنسان مهاباً في أعين الناس، فإذا ذهب ماء الوجه ذهب معه كل شيء.
وفي عمق التراث العربي، لم يكن حفظ ماء الوجه مجرد فضيلة فردية، بل كان قانوناً للوجود الاجتماعي والسياسي. العرب قبل الإسلام كانوا يدركون أن الحرب ليست دائماً ضرورة قتالية، بل أحياناً تكون ضرورة نفسية ورمزية. من هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ«حرب حفظ الماء»، حيث كان الفارس يطلق سهماً أو يرمي برمح قصير لا يريد به القتل بقدر ما يريد به القول: «أنا موجود، أنا قوي، كرامتي لم تنكسر». هذا النوع من التراشق الحربي الرمزي كان يحفظ للطرفين ماء وجههما: كل منهما يُظهر أنه رد على الاعتداء، وكل منهما يتجنب حرباً حقيقية قد تذهب بالأرواح وتخسر المياه.
هذا المعنى نفسه يتجلى اليوم بأوضح صوره وأكثرها إثارة للدهشة في سلوك إيران العسكري تجاه إسرائيل. فكم شهد العالم هجمات إيرانية مباشرة أو عبر الوكلاء .. أطلقت خلالها طهران عشرات الصواريخ والمسيرات باتجاه الأراضي المحتلة. لكن الملفت للنظر أن تلك الصواريخ كانت في معظمها إما تُسقط قبل الوصول، وإما لا تحمل رؤوساً فتاكة قادرة على إحداث دمار حقيقي. فلماذا تطلق دولة صواريخ باهظة الثمن وتعرض نفسها لموجة من الغضب الدولي إذا كانت لا تريد إيذاء خصمها؟ الإجابة تكمن في كلمتين: حفظ ماء الوجه.
إيران، التي تتبنى خطاب المقاومة وتقود محوراً عسكرياً في المنطقة، تجد نفسها أمام معادلة معقدة. من جهة، عليها أن تحافظ على ماء وجهها أمام حلفائها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، وأمام جمهورها الداخلي الذي يريد أن يرى صواريخ بلاده تصل إلى عاصمة العدو. ومن جهة أخرى، هي ليست مستعدة لحرب شاملة مع إسرائيل وحلفائها، لأن تلك الحرب ستكون خسارتها فيها أكبر بكثير من أي مكسب ممكن.. واعظم بكثير من الحرب الأخيرة.. فكانت الصواريخ غير الفتاكة هي الحل العبقري: نطلقها ليقول العالم إننا ردعنا، ونجعلها غير قادرة على إبادة فعلية حتى لا يقول العالم إننا مجانين.
هنا يبدو حفظ ماء الوجه أشبه بمسرحية كونية بطلتها الصواريخ، واخرجتها الحاجة إلى البقاء دون خزي. إنه يحول العجز المؤقت إلى قوة وهمية، ويجعل الهزيمة المحتملة تبدو كأنها نصر. لكن الحقيقة الأعمق أن هذا النوع من حفظ ماء الوجه هش كزبد البحر. فالصاروخ الذي لا يقتل يشبه الصفعة التي لا تؤلم، والتكرار الممل لمثل تلك الهجمات يكشف في النهاية أن ماء الوجه لم يُحفظ بل تسرب شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد المشاهدون يخافون من الصاروخ القادم، بل صاروا ينتظرونه ويضحكون عليه فقد شاهدوا أثره ومحتواه من قبل.
وإذا انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي، نجد نموذجاً أعمق وأرقى وأسمى لحفظ ماء الوجه في موقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. حين رفض المسلمون في البداية شطب عبارة «رسول الله» من وثيقة الصلح، كانوا يريدون حفظ ماء وجه نبيهم. لكن النبي الكريم آثر أن لا يُكتب شيء قد يمنع الصلح، حفظا لماء وجه الأمة كلها.
إنه درس عظيم: أحياناً يكون حفظ ماء وجه الجماعة أولى من حفظ ماء وجه الفرد، وأحياناً يكون التنازل المؤلم هو ذروة حفظ الكرامة، لا التصلب الأعمى.
هذا هو الفرق الجوهري بين حفظ ماء الوجه الناضج وحفظ ماء الوجه الساذج. الناضج هو الذي يستطيع أن يفرق بين المواقف، ويعرف متى يحافظ على الماء ومتى يجود به ليعود إليه أكثر مما ذهب. أما الساذج فهو ذلك التمسك بالصورة على حساب الجوهر، كمن يرفض الاعتذار عن خطأ ظاهر خوفاً من أن يخدش ماء وجهه، أو كمن يطلق صاروخاً فارغاً ليخبر العالم أنه ما زال كبيراً.
في النهاية، يظل حفظ ماء الوجه أخلاقاً إنسانية رفيعة، لكنه يحتاج إلى ميزان حكمة. والكرامة الحقيقية ليست في أن نطلق صواريخ لا تقتل، بل في أن نجعل من أنفسنا قدوة في حفظ ماء وجه الآخرين أيضاً. والذي يحفظ ماء وجه الناس، يحفظ الله ماء وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. فالماء إن ركد آسن، وإن جرى أحيا. والكرامة كذلك: إن تصلبت تحولت إلى جمود مميت، وإن تدفقت بحكمة صارت ينبوعاً لعزة حقيقية لا تحتاج إلى صواريخ وهمية.