عبدالرحمن الحضري
في هزيعٍ من الليل؛ وفي لحظة سكون، قفزت إلى ذهني فكرة ترتيب أدراج الذاكرة الرقمية، فبدأت أتصفح تطبيق الملاحظات في جوالي.
وكأن هذه النصوص المنسية في غياهب الأجهزة، تقف اليوم طابورًا على أبواب وجداني، تعاتبني بشجنٍ وذكريات رقمية.
لقد تراكمت هذه الملاحظات عبر السنين -متجاوزة الألفي ملاحظة- لتشكل «بورتريه» مشتتًا، لكنه صادقٌ في كتابة ملامح رحلتي.
غصت في أعماق هذا الأرشيف الهائل، فاستقبلتني على السطح قائمة «مقاضي» قديمة (بطاطا، بندورة، كرفس...) تقبع بجوارها أرقام هواتف لأشخاص تلاشت ملامحهم من ذاكرتي. ثم بدأت الطبقات الأكثر عمقًا تتكشف؛ فرأيت بين السطور مسودات لمقدمات سريالية، وتوثيقًا لأمسيات ثقافية بين سفوح جازان، ونخيل الأحساء، وواحات القصيم. كما طالعتني مقدمات للقاءات إعلامية في صياهد الدهناء، وفيافي النفود الكبير.. طوافٌ جغرافي ووجداني لا ينتهي، موثق بأكمله في تطبيق أربك بوصلتي!.
المثير والمضحك في هذا التطبيق أنه لا يعترف بالتراتبية أو المقامات!
فبينما أكون غارقًا في قراءة أبياتٍ من شعر القامات الكبيرة، أُفاجأ تحته مباشرة بتذكيرٍ لتغيير زيت السيارة!.
لماذا لم أمسحها؟ هل كنت أخشى فقدان ما كتبته ظنًا مني أنه كان «فتحًا مبينًا» في حينه؟
لقد كانت مجرد تدوينات لشعور طارئ، أو ضرورة عمل ملحة، لكنها تخمّرت مع الوقت لتتحول إلى مزيج من الأنين والحنين.
توقفت عند مسودات لتغريدات لم تُنشر! بعضها حمدت الله أنني لم أُلقِ بها في محرقة منصة «إكس»، وبعضها عضضت أصابع الندم لعدم نشرها في وقتها الذهبي، بينما جعلني بعضها الآخر أفرك عينيّ متسائلاً بدهشة: أفا.. أيعقل أن هذا كلامي أنا؟!.
إن هذا التطبيق ليس مجرد مخزن تقني أصم، بل هو صندوق أسود ينتظر يومًا ما أن يعاد ترتيب شتاته، ليتحول من نصوص مبعثرة إلى سيرة ذاتية لم تكتب لتنشر، بل كُتبت لتقييد همٍّ بات اليوم مجرد ذكرى.
وبينما أغوص في بحر هذه الفوضى العارمة، تعثرت بملاحظة يتيمة، غافية بين زحام الذكريات، كُتبت فيها أبيات «طقطوقة» سيد درويش: زوروني كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة!
أنساني تقادم الزمن مناسبة تدويني لها، لكنها فتحت باب الحنين على مصراعيه، واستحضرت في أذني صوت المطرب حامد مرسي وهو يؤديها بحرقتها الأصلية لأول مرة عام 1917 فخلّف هذا العتب الشفيف الذي صاغه الشاعر الغنائي الكبير محمد يونس القاضي، ولحنه عبقري النغم سيد درويش، قصة تشبه فوضى النسيان التي نعيشها.
كان القاضي مريضًا، وقد ألزمه الداء السرير الأبيض في إحدى مستشفيات القاهرة. عاده يومئذٍ بعض أصدقائه، لكن عينه كانت ترقب الباب بشغف منتظرة زيارة من نوع آخر؛ زيارة شقيقته التي انقطع حبل الوصل معها، بعد أن ساقتهما خلافات الميراث إلى ردهات المحاكم.
وذات يوم، وبينما كان يصارع ثالوث الهم والوحدة ووجع القطيعة، انفرج باب غرفته، فإذا بشقيقته تطل عليه وهي تكفكف دموعها. ألجمته المفاجأة، وهزّه التأثر، فكان لقاءً يفيض بالعاطفة، اختلطت فيه دموع الندم بابتسامات التسامح. تحدثا كثيرًا، وصمتا كثيرًا، مكتفيَيْن بلغة العيون التي تغني عن العتاب. وما إن غادرت الغرفة بعد وداعٍ مؤثر، حتى انسابت من روحه المنهكة كلمات هذه الأغنية، لتكون البلسم الذي طوى صفحة الخلاف، وتنازل كل منهما عن قضاياه.
السيدة فيروز أعادت غناء هذه «الطقطوقة» عام 1957 ضمن أسطوانة «فونوغراف» أطلق عليها الأخوان رحباني اسم: أغاني من الماضي، فنفضت الغبار عن لحنٍ عظيم، وبثت فيه روحًا تتجدد حتى يومنا هذا. فهل نحتاج نحن أيضًا بين الفينة والأخرى أن نُعيد تشغيل أسطوانات ماضينا المخبوءة في جيوبنا الذكية لنتفقد من سقطوا سهوًا من ذاكرتنا المزدحمة؟
يبقى السؤال الملحّ الذي هزّ وجدان القاضي على سرير مرضه، وأيقظته ملاحظة عابرة في هاتفي: هل في زحمة حياتنا جدولة لزيارة حبيب انقطعت أخباره؟ أو قريب غابت ذكراه؟ أو غالٍ نكاد ننسى ملامحه؟.
إن قفزَت إلى مخيلتك عزيزي القارئ صورة عزيز لديك (مالك فيه علم) تخيل أنه يتمتم وحيدًا في عتمة الليل:
زورونى كل سنة مرة
حرام تنسوني بالمرة
أنا عملت إيه فيكم
تشاكوني واشاكيكم
أنا اللي العمر اداديكم
حرام تنسونى بالمرة
سلطنوا..