هدى بنت فهد المعجل
في كل مرحلة من العمر، يعبر أمامنا أشخاص لا نعرف أسماء معظمهم، ومع ذلك يتركون أثرًا خفيًا في حياتنا. بائع نراه كل صباح، جار نصادفه سنوات دون حديث طويل، موظف في مؤسسة اعتدنا وجوده، أو حتى شخص كان يجلس في المقعد نفسه يوميًا. ثم فجأة يختفون.
الغريب أن المجتمع يعلّمنا الاحتفاء بالعلاقات الكبرى: الأسرة، الأصدقاء، والزملاء. لكنه نادرًا ما يلتفت إلى تلك العلاقات الهامشية التي تشكِّل نسيج الحياة اليومية.
فهذه الوجوه المألوفة تمنح الإنسان شعورًا غير معلن بالاستقرار. إنها تخبره أن العالم ما زال يسير بالنمط الذي يعرفه.
عندما يختفي أحد هؤلاء الغرباء، نشعر بشيء يصعب تفسيره. ليس حزنًا حقيقيًا، لأن العلاقة لم تكن عميقة، وليس لامبالاة كاملة، لأن الغياب قد لفت انتباهنا. إنه شعور بفقدان جزء صغير من المشهد المعتاد الذي كنا نعيش داخله.
اجتماعيًا، تكشف هذه الظاهرة أن الإنسان لا يبني إحساسه بالمجتمع من العلاقات القريبة فقط، بل من شبكة واسعة من الحضور المتكرر.
نحن نحتاج إلى الشعور بأننا جزء من عالم مأهول بوجوه مألوفة، حتى لو لم نتبادل معها أكثر من ابتسامة عابرة.
ولعل هذا يفسر لماذا تبدو المدن الجديدة باردة في بدايتها. المشكلة ليست في المباني أو الشوارع، بل في غياب تلك الوجوه التي تمنح المكان ذاكرة. ومع مرور الوقت، يبدأ الإنسان بصناعة أرشيفه الخاص من الغرباء المألوفين، فيتحول المكان إلى شيء أكثر من مجرد موقع جغرافي. ربما لا يدرك معظم الناس أنهم يؤثِّرون في حياة الآخرين دون أن يعرفوا. فوجودهم المتكرر وحده قد يكون جزءًا من شعور شخص آخر بالأمان أو الاعتياد.
لذلك فإن المجتمع ليس فقط مجموعة من العلاقات العميقة، بل أيضًا آلاف الروابط الصامتة التي لا تُكتب في السجلات، لكنها تجعل الحياة أقل وحدة وأكثر إنسانية.