أمل حمدان الشريف
في ميادين المهنة، لا يُعد التنافس مشكلةً بحد ذاته، بل هو في كثير من الأحيان أحد أهم أسباب النجاح والتطور. فالمؤسسات التي تتنافس بشرف تتقدم، والأفراد الذين يسعون إلى التميز بجهدهم ومعرفتهم يحققون حضورًا مستحقًا، والمجتمعات التي تحتفي بالمنجز الحقيقي تصنع مستقبلًا أكثر إشراقًا.
لكن الفارق كبير بين التنافس الذي يصنع الإنجاز، والتنافس الذي يستهلك الطاقات في مراقبة الآخرين. فالأول يدفع صاحبه إلى العمل أكثر، والتعلم أكثر، والإبداع أكثر، بينما الثاني يجعله أسير المقارنات والصراعات الجانبية التي لا تضيف إلى رصيده المهني شيئًا. وفي واقعنا المهني والثقافي، نحتاج إلى ترسيخ مفهوم التنافس الصحي بوصفه قيمةً أخلاقية قبل أن يكون سلوكًا مهنيًا، فليس من المهنية أن نقلل من نجاح الآخرين، ولا من الحكمة أن نبحث عن تعثرهم لنشعر بالتفوق. النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى هدم الآخرين كي يثبت وجوده، بل يثبت نفسه بما يقدمه من جودة وأثر واحترام.
ومن أجمل صور التنافس أن يتحول نجاح الزميل إلى حافز، وإنجاز المؤسسة الأخرى إلى فرصة للتعلم، وتجربة الآخرين إلى مصدر إلهام، فالميدان الذي تسوده هذه الروح يكبر بالجميع، وتتسع فيه مساحات العطاء، وتصبح الإنجازات المتراكمة رصيدًا للوطن والمجتمع لا مكاسب فردية عابرة.
ولعل القطاع الثقافي مثال واضح على ذلك؛ فكل مبادرة ناجحة تضيف للمشهد الثقافي، وكل تجربة متميزة ترفع سقف التوقعات، وكل منجز نوعي يفتح أبوابًا جديدة للإبداع. لذلك فإن المنافسة الحقيقية ليست في كثرة الحضور، بل في جودة الأثر، وليست في حجم الضجيج، بل في عمق القيمة التي تبقى بعد انتهاء المشهد.
إن أصحاب الرسالات المهنية يدركون أن الميدان لا يتسع للمتنافسين فحسب، بل للمتعاونين أيضًا، وأن النجاح حين يُبنى على الأخلاق والاحترام والإنصاف يصبح أكثر رسوخًا وأطول عمرًا.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا أضفتُ إلى مهنتي؟ لا كم شخصًا تجاوزتُه في الطريق.
فالتنافس الصحي لا يصنع فائزًا واحدًا، بل يصنع بيئةً كاملةً من النجاح، ويمنح المهنة ما تستحقه من رقي، ويمنح أصحابها ما يستحقونه من احترام. وفي النهاية، تبقى الإنجازات شاهدةً على أصحابها، أما الضجيج فيرحل كما جاء.