عبدالرحمن العطوي
في السابع عشر من ذي الحجة عام 1407هـ نشرت الصحف ومنها هذه الصحيفة خبراً عن مباشرة صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز مهام عمله أميراً لمنطقة تبوك لكن ذلك الخبر لم يكن مجرد إعلان عن مباشرة مسؤول لمهام عمله بل كان بداية قصة استثنائية امتدت أربعة عقود وكتبت واحدة من أجمل حكايات الوفاء بين قائد ومكان وبين إنسان ومجتمع.
اليوم وبعد أربعين عاماً من ذلك التاريخ لم يعد الحديث عن الأمير فهد بن سلطان حديثاً عن مسؤول أمضى تلك السنوات في منصبه بل حديث عن تجربة فريدة أصبح فيها اسم فهد بن سلطان جزءاً من ذاكرة تبوك وأحد العناوين الكبرى في تاريخها الحديث حتى بات من الصعب الفصل بين مسيرة المنطقة ومسيرته وبين نهضتها واسمه وبين وجدان أهلها وحضوره الدائم في تفاصيل حياتهم.
أربعون عاماً من العمل والبناء والعطاء والإنسانية عاشها الأمير فهد بن سلطان بين أبناء المنطقة قريباً منهم ومشاركاً لهم أفراحهم وأحزانهم ومتابعاً لشؤونهم ومؤمناً بأن المسؤولية الحقيقية تبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر.
ولذلك فإن أبناء تبوك حين يتحدثون عن الأمير فهد بن سلطان لا يتحدثون أولاً عن المشروعات ولا عن الأرقام والإنجازات بل يتحدثون عن الإنسان الذي عرفوه قريباً منهم في كل الظروف وعن الأمير الذي ظل حاضراً بينهم يسمعهم ويواسيهم ويقف معهم في أوقات الشدة كما يشاركهم لحظات الفرح والنجاح.
كم من مجلس عزاء حضره مواسياً وكم من منزل قصده مطمئناً على صاحبه وكم من أسرة وجدت منه الدعم في أصعب ظروفها وكم من محتاج وصلته يد العون وكم من ملهوف وجد من يسمع صوته ويقف معه بعيداً عن الأضواء وعدسات الإعلام.
ولأن القلوب لا تحفظ الألقاب بقدر ما تحفظ المواقف فقد بقيت مئات القصص الإنسانية التي عاشها أبناء المنطقة شاهدة على نهج إنساني أصيل ظل يرافق الأمير فهد بن سلطان طوال مسيرته في إمارة تبوك حيث ارتبط اسمه بأعمال الخير والإصلاح وعتق الرقاب وجمع الكلمة وإصلاح ذات البين ومساندة الأسر المحتاجة ودعم الشباب والطلاب والطالبات وتشجيع كل مبادرة تصنع مستقبلاً أفضل لأبناء المنطقة.
ولعل ما يميز هذه المسيرة أن كثيراً من تلك المواقف لم تتصدر العناوين لكنها بقيت محفوظة في ذاكرة الناس لأن أثرها وصل إلى القلوب مباشرة وبقي حياً في وجدان أصحابها حتى اليوم.
وفي المقابل فشهدت المنطقة خلال العقود الأربعة الماضية نهضة شاملة في البنية التحتية والتعليم والصحة والزراعة والاستثمار والسياحة والخدمات وتحولت إلى واحدة من أهم مناطق المملكة وأكثرها حضوراً في مشهد التنمية الوطنية.
كبرت تبوك خلال هذه السنوات كما تكبر الأحلام التي تجد من يؤمن بها ويدعمها وتحولت من منطقة واعدة إلى مركز تنموي واستثماري مهم وأصبحت اليوم جزءاً أساسياً من مشروعات المستقبل الكبرى التي ترسم ملامح المملكة الجديدة في ظل رؤية السعودية الطموحة.
غير أن الإنجاز الأكبر في هذه المسيرة الطويلة لم يكن مشروعاً افتتح ولا مدينة توسعت بل ذلك الرصيد الهائل من المحبة الذي بناه الأمير فهد بن سلطان في قلوب أبناء المنطقة لأن المشروعات مهما عظمت يمكن أن تحصى بالأرقام أما محبة الناس فلا تقاس إلا بما تتركه من أثر في الوجدان.
وأكتب هذه الكلمات لا بصفتي متابعاً من بعيد بل شاهداً على جزء كبير من هذه المسيرة فمن خلال عملي مديراً لمكتب صحيفة الجزيرة في تبوك وعلى امتداد ما يقارب ثلاثة عقود من العمل الصحفي عايشت عن قرب مراحل التحول التي شهدتها المنطقة ورصدت تفاصيل كثيرة من الجهد الذي بذله الأمير فهد بن سلطان في ميادين التنمية والإنسانية والعمل الاجتماعي.
وخلال تلك السنوات الطويلة تابعت مئات المناسبات والزيارات والجولات والمشروعات وشاهدت كيف كان سموه حاضراً في تفاصيل التنمية كما هو حاضر في تفاصيل المجتمع وكيف كان اهتمامه بالإنسان يسبق اهتمامه بالحجر وكيف كان ينظر إلى المواطن باعتباره الغاية الأولى لكل مشروع تنموي ولكل جهد يبذل في هذه المنطقة.كما عايشت مواقف كثيرة لم تكن تبحث عن الظهور الإعلامي ولم تسع إلى الأضواء لكنها بقيت شاهدة على شخصية استثنائية جعلت من خدمة الناس نهجاً ثابتاً ومن القرب منهم أسلوب عمل ومن الوفاء للمكان رسالة عمر امتدت لأربعة عقود كاملة.
ومن هنا فإن الحديث عن الأمير فهد بن سلطان بعد أربعين عاماً لا يقتصر على استعراض منجزات أو تعداد أرقام بل هو حديث عن تجربة إنسانية وتنموية متكاملة نجحت في أن تجمع بين بناء الإنسان وبناء المكان وبين التنمية والمحبة وبين القيادة والوفاء.
ولهذا لم يعد الأمير فهد بن سلطان بالنسبة لأبناء تبوك مجرد أمير تعاقب على إدارة المنطقة بل أصبح جزءاً من تاريخها الحديث وواحداً من أبرز رموزها الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان ارتباطاً يتجاوز حدود المنصب إلى مساحة أعمق عنوانها الوفاء والانتماء والمحبة المتبادلة.
واليوم حين تستعيد تبوك ذكرى أربعين عاماً من قيادته للمنطقة فإنها لا تحتفي برقم زمني بقدر ما تحتفي بقصة استثنائية من العطاء والبناء والإنسانية قصة قائد رأى في الإمارة رسالة قبل أن تكون منصباً ورأى في الناس أمانة قبل أن يكونوا مسؤولية ورأى في تبوك بيتاً كبيراً يستحق الحب والرعاية والعمل.
ولهذا سيبقى اسم فهد بن سلطان حاضراً في ذاكرة المكان كما تحضر الأسماء التي صنعت أثرها بالعمل الصادق لا بالشعارات وبالمواقف النبيلة لا بالكلمات وسيبقى واحداً من أبرز صناع نهضة تبوك الحديثة وأحد أكثر الشخصيات التصاقاً بوجدان أهلها لأن بعض الرجال لا تخلدهم المناصب بل يخلدهم ما يتركونه من أثر في حياة الناس وما يزرعونه من محبة في القلوب.
أربعون عاماً مضت منذ ذلك الخبر الصغير الذي نشرته الصحف ذات يوم لكن ما كُتب بعدها لم يكن خبراً عابراً بل تاريخاً من الوفاء وحكاية رجل جعل من تبوك مشروع عمره وجعلت منه تبوك واحداً من أبنائها الأوفياء الذين سيبقى ذكرهم حاضراً ما بقيت الأجيال تروي قصص العطاء والمحبة والإنسانية.