د.عبدالله الفايز
في كل صيف وموسم إجازات، تغادر مليارات الريالات المملكة متجهة إلى وجهات سياحية خارجية. هذه الأموال لا تخرج بسبب نقص المقومات السياحية داخل المملكة، بل لأن الاستثمار في العديد من الوجهات المحلية الواعدة لم يصل بعد إلى المستوى الذي يحولها إلى خيارات أولى للمواطن والمقيم.
وهنا تبرز حقيقة اقتصادية مهمة: المملكة لا تحتاج إلى ضخ رؤوس أموال ضخمة جديدة بقدر حاجتها إلى استعادة جزء من الأموال التي تغادرها سنوياً. إذا كان الإنفاق السياحي الخارجي للسعوديين والمقيمين يقدر بنحو 40 مليار ريال سنوياً، فإن ذلك يعني أن الاقتصاد الوطني يفقد يومياً أكثر من 109 ملايين ريال، أي ما يعادل 4.5 ملايين ريال كل ساعة. وخلال عشر سنوات فقط يتجاوز حجم هذه الأموال 400 مليار ريال، وهو رقم يكفي لبناء عشرات المدن السياحية والمشروعات الترفيهية والمنتجعات المتكاملة في مختلف مناطق المملكة.ما يثير الانتباه أن جزءاً كبيراً من هذا الإنفاق يذهب إلى دول لا تمتلك بالضرورة مزايا طبيعية تفوق ما هو موجود داخل المملكة. ففي الجنوب السعودي تمتد جبال عسير وفيفا التي تعانق السحاب والندى والأودية الخضراء والمناخ المعتدل، وفي الشمال توجد المرتفعات والتضاريس المتنوعة، بينما يمتد ساحل البحر الأحمر لآلاف الكيلومترات بمياهه وشعبه المرجانية الصافية التي تنافس المالديف وشواطئه البكر، إضافة إلى التراث التاريخي والثقافي الغني الذي تمتلكه مناطق المملكة المختلفة. بمعنى آخر، كثير من عناصر الجذب السياحي التي يسافر المواطن للبحث عنها موجودة بالفعل داخل حدود المملكة، لكنها تحتاج إلى استثمارات منظمة وتجارب سياحية متكاملة تجعلها منافسة للوجهات الخارجية.
من الضروري التفكير في مشروع وطني يمكن أن يمول نفسه. لنفترض أن الدولة والقطاع الخاص أطلقا برنامجاً لتطوير ثماني وجهات سياحية رئيسية في عسير وجازان وفيفا والباحة بالإضافة الى ما هو في المدن الاخرى مثل العلا والرياض وجدة والخبر وحائل. تتكون من منطقة سياحية تشمل فنادق ومنتجعات ومنتزهات ومراكز ترفيهية وبحجم صغير في البداية ويتم توسعته مستقبلا ذاتيا من ضرائب قيمة مضافة ومن ريع الأرباح، ما اذا نجح. وإذا بلغت تكلفة المشروع المتكامل في كل منطقة نحو 800 مليون ريال، فإن إجمالي الاستثمار لثمان مدن سيكون في حدود 6.4 مليار ريال فقط.
قد يبدو الرقم كبيراً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يعادل أقل من 16 % من حجم الإنفاق السياحي الخارجي السنوي والذي يضيع هباءِ ويؤدي إلى جرائم ومخاطر يتعرض لها السعوديون و مشاكل تسيء إلى سمعة الوطن، فتبقى مشاكلنا في بلدنا.. كما أنه يمكن دعم شركات الطيران الوطنية لتخفيض أسعار التذاكر في الخمس سنوات الأولى حتى تقوم الصناعة، وبدعم من الدولة والتي ستستفيد عوائد مضاعفة.
بمعنى أكثر وضوحاً
سنة واحدة من استعادة جزء محدود من الإنفاق الخارجي يمكن أن تغطي تكلفة المشروع بالكامل.استقطاب 20 % فقط من الإنفاق السياحي الخارجي يعني إعادة 8 مليارات ريال سنوياً إلى الاقتصاد المحلي.
استقطاب 30 % يعني 12 مليار ريال سنوياً.
استقطاب 50 % يعني 20 مليار ريال سنوياً تبقى داخل المملكة كل عام.
أي أن المشروع لا يحتاج إلى عقود طويلة لاسترداد تكلفته، بل يمكن أن يحقق عائداً اقتصادياً يتجاوز حجم الاستثمار الأصلي خلال سنوات قليلة.
كما ان الأثر المضاعف: الريال الواحد لا ينفق مرة واحدة. عندما يسافر السائح السعودي إلى الخارج، فإن معظم إنفاقه يغذي اقتصادات أخرى. أما عندما ينفق داخل المملكة فإن المال ينتقل من قطاع إلى آخر وتدور الأموال في البلد وتستفيد منها الأسر. فثمن تذكرة الطيران المحلية يذهب لشركات وطنية، وإقامة الفندق تدعم التوظيف المحلي، والمطاعم والمقاهي والأسواق والنقل الداخلي والمتاجر تستفيد جميعها من الدورة الاقتصادية نفسها.
ولهذا فإن كل ريال يتم الاحتفاظ به داخل الاقتصاد يمكن أن يولد أثراً اقتصادياً يتجاوز قيمته الأصلية بمراحل. وعند احتساب الأثر الاقتصادي المضاعف، فإن إعادة 8 مليارات ريال فقط قد تنتج نشاطاً اقتصادياً إجمالياً يتجاوز 14 مليار ريال سنوياً، وهو ما يعني أن الاقتصاد يستفيد بأكثر من قيمة الإنفاق المباشر نفسه.
كما اننا لا ننسى الفوائد غير المرئية: المكاسب التي لا تظهر في الحسابات والأثر الحقيقي للسياحة الداخلية لا يقاس بالأموال وحدها، بل بما تخلقه من تحولات اجتماعية وتنموية طويلة الأمد.
أولاً: تعزيز الهوية الوطنية
عندما يزور المواطن مناطق بلاده المختلفة ويتعرف على ثقافاتها ولهجاتها وتراثها، تزداد الروابط الوطنية ويصبح أكثر ارتباطاً بتاريخ وطنه وتنوعه الثقافي. فالكثير من السعوديين يعرفون مدناً خارجية أكثر مما يعرفون مناطق داخل المملكة، رغم أن المملكة تمتلك تنوعاً جغرافياً وثقافياً استثنائياً.
ثانياً: الحد من الهجرة الداخلية إلى المدن الكبرى
تطوير الوجهات السياحية في المناطق المختلفة يخلق فرص عمل محلية، ما يساهم في بقاء الشباب داخل مناطقهم بدلاً من الانتقال إلى المدن الكبرى بحثاً عن الوظائف. وهذا يخفف الضغط على البنية التحتية والخدمات في المدن الرئيسية ويحقق تنمية أكثر توازناً بين المناطق.
ثالثاً: إنعاش المنشآت الصغيرة والمتوسطة
الفنادق ليست المستفيد الوحيد من السياحة. أصحاب المطاعم، المقاهي، المزارع الريفية، الحرفيون، المرشدون السياحيون، شركات النقل، متاجر الهدايا، ومنظمو الفعاليات جميعهم يصبحون جزءاً من سلسلة اقتصادية متكاملة. ولهذا فإن كل مشروع سياحي كبير يخلق مئات الفرص الاستثمارية الصغيرة حوله.
رابعاً: تعزيز الاستقرار الاجتماعي والأسري
عندما تصبح الخيارات السياحية الجاذبة متاحة داخل المملكة، تتمكن الأسر من قضاء إجازات أقرب وأقل تكلفة وأكثر مرونة، مع تقليل أعباء السفر الطويل والمخاطر المرتبطة به.
خامساً: بناء خبرات وطنية
في صناعة المستقبل
السياحة العالمية تعد من أكبر الصناعات في العالم، والدول التي تمتلك قطاعاً سياحياً قوياً تبني خبرات واسعة في الضيافة والترفيه وإدارة الوجهات والفعاليات. وكل ريال يستثمر اليوم في السياحة المحلية يسهم في بناء كوادر وطنية قادرة على قيادة هذا القطاع لعقود قادمة.
المملكة لا تخسر شيئاً... بل تستعيد ما يخرج منها
الفرصة الحقيقية ليست في البحث عن مصادر تمويل جديدة، بل في إعادة توجيه جزء بسيط من الأموال التي تغادر المملكة سنوياً. فإذا تمكنت المملكة من الاحتفاظ بـ20 % فقط من الإنفاق السياحي الخارجي، فإنها ستضخ مليارات الريالات في اقتصادها كل عام، وتخلق آلاف الوظائف، وتنشط المناطق المختلفة، وتعزز الهوية الوطنية، وترفع جودة الحياة.إنها معادلة نادرة في الاقتصاد: استثمار محدود نسبياً، ومخاطر منخفضة، وعوائد مالية واجتماعية وتنموية ضخمة.
ولهذا، فإن دعم السياحة الداخلية ليس مشروعاً ترفيهياً فحسب، بل مشروع اقتصادي وطني قادر على تحويل مليارات الريالات من أموال مغادرة إلى ثروة منتجة تبقى داخل المملكة وتعمل لصالحها عاماً بعد عام.