باسم سلامة القليطي
لم يعد الطموح السينمائي العربي مجرد أمنيات مؤجلة، بل تحول مع فيلم «7 Dogs» إلى واقع ملموس يُقاس بلغة الأرقام والمنجزات. فبميزانية بلغت 40 مليون دولار، لم يستهدف الفيلم شباك التذاكر المحلي فحسب، بل دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية بتنفيذ أكبر تفجير حقيقي في تاريخ السينما. ويعكس هذا الإنجاز تحوّلا مهما في موقع المنطقة داخل صناعة الترفيه العالمية؛ فمنطقة كانت تُستهلك فيها الأفلام العالمية أصبحت قادرة على إنتاجها واستضافتها وتنفيذ أكثر مشاهدها تعقيدا.
ومن خلال استوديوهات «الحصن» في الرياض، أثبتت الكفاءات المحلية قدرتها على إدارة مشاريع إنتاجية تضاهي ما تقدمه كبرى الاستوديوهات الدولية، لتبدأ مرحلة جديدة من الحضور العربي في صناعة السينما العالمية.
ويمثل «7 Dogs» نموذجا معاصرا لما يمكن تسميته بـ»سينما العولمة»، حيث تتقاطع الخبرات والثقافات والمدارس الفنية المختلفة داخل مشروع واحد. فقد تولى إخراجه الثنائي العالمي: عادل العربي وبلال فلاح، المعروفان بأعمالهما في هوليوود، بينما جمع الفيلم نخبة من النجوم العرب يتقدمهم: أحمد عز وكريم عبدالعزيز، إلى جانب أسماء عالمية بارزة مثل: سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.
واللافت أن هذا التنوع لم يُذب الهوية العربية داخل قالب عالمي جاهز، بل منحها مساحة جديدة للظهور أمام جمهور أوسع. وهنا تكمن قيمة التجربة؛ فهي لا تكتفي بتقليد النموذج العالمي، بل تحاول المشاركة في صناعته بلغتها الخاصة، لتقدم نموذجا عربيا قادرا على الحوار مع العالم من موقع الشريك لا التابع.
وفي زمن أصبحت فيه المؤثرات البصرية قادرة على صناعة مدن كاملة بضغطة زر، اختار صُنّاع الفيلم طريقا أكثر صعوبة، بالاعتماد على مشاهد أكشن حقيقية وانفجارات فعلية ومطاردات ميدانية واسعة النطاق. ولم يكن ذلك قرارا تقنيا فحسب، بل رهانا فنيا على قوة الواقعية وقدرتها على تعزيز اندماج المشاهد. ولهذا اكتسبت مشاهد الفيلم قدرا إضافيا من المصداقية والرهبة البصرية، في تذكير بأن التكنولوجيا مهما تطورت لا تستطيع دائما أن تحل محل التجربة الواقعية.
ولأعوام طويلة ارتبط حضور العالم العربي في المجال السينمائي بدور المستهلك والمتلقي، بينما تركزت مراكز الإنتاج الكبرى في أماكن أخرى. لكن أعمالا بحجم «7 Dogs» تعكس تحولا مختلفا؛ إذ لم تعد المنطقة تكتفي باستيراد القصص والتقنيات والخبرات، بل بدأت تشارك في إنتاجها وتطويرها. وهذه النقلة لا تُقاس بنجاح فيلم واحد، بل بما تخلقه من خبرات متراكمة وفرص عمل ومواهب جديدة، فالسينما ليست مجرد فن، بل صناعة تمتد آثارها إلى الاقتصاد والتعليم والسياحة والتقنية.
وخلف مشاهد الأكشن الضخمة والنجاح الجماهيري للفيلم تقف قصة أخرى لا تقل أهمية عن القصة المعروضة على الشاشة. فمعالي المستشار تركي آل الشيخ، صاحب قصة الفيلم، لم يكتفِ بطرح فكرة قابلة للتحول إلى عمل سينمائي، بل سعى إلى توفير العناصر اللازمة لإنجازها وفق معايير عالمية، بدءًا من استقطاب الخبرات الدولية، مرورا بتجهيز البنية الإنتاجية المناسبة، وانتهاءً بتوفير البيئة التي تسمح بتنفيذ مشروع بهذا الحجم غير المسبوق عربيا.
وتكشف التجربة عن نموذج مختلف في إدارة المشاريع الثقافية الكبرى؛ نموذج يجمع بين الرؤية والطموح والقدرة التنفيذية. فالكثير من الأفكار الكبيرة تبقى حبيسة الورق، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ ثم إلى منتج قادر على المنافسة عالميا. وفي هذا السياق، يمثل «7 Dogs» مثالا واضحا على أن الرؤية الواضحة والإرادة التنفيذية قد تكونان العنصر الحاسم في ولادة المشاريع الاستثنائية.
وفي المحصلة النهائية، لا يمكن قراءة «7 Dogs» بمعزل عن سياقه الاستراتيجي الأوسع. فالفيلم يمثل نموذجا لما يمكن وصفه بالاستثمار الثقافي السيادي؛ ذلك النوع من الاستثمارات الذي لا يهدف إلى الربح المباشر فقط، بل إلى بناء مكانة طويلة الأمد داخل الاقتصاد الإبداعي العالمي. فمن خلال تطوير البنية التحتية، وتوطين المعرفة، وجذب الكفاءات والاستثمارات، تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي ودولي لصناعة المحتوى.
ولعل القيمة الأهم في هذه التجربة أنها لا تتوقف عند نجاح فيلم واحد، بل تسهم في بناء منظومة إنتاجية متكاملة يمكن أن تستفيد منها مشاريع عربية أخرى في المستقبل. ولهذا قد يكون «7 Dogs» أكثر من مجرد فيلم ناجح؛ إنه إشارة إلى مرحلة جديدة ترى فيها المنطقة نفسها شريكا في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرج عليه.