أحمد بن محمد الشريدي
في غمرة الاحتفاء باليوبيل الماسي وتجاوز مجلة اليمامة لعقودها السبعة والنصف من العطاء والإبداع والإنجازات المشرفة، نستذكر إرثا إعلاميا رسّخه رائد التنوير ورئيس التحرير الراحل الأستاذ محمد بن أحمد الشدي رحمه الله وجعله في عليين، الذي جمع بين دفتي مسيرته روح الصحافة الرائدة وشغف الثقافة، لتظل بصماته محفورةً بمجلة اليمامة وفي ذاكرة الوطن، تلك المجلة التي تعد رافداً أساسياً في صناعة مسيرة الصحافة السعودية منذ تأسيسها، حيث شكلت بيئة حاضنة ومدرسة متكاملة لجيل من الرواد، وتخرج من بين صفحاتها نخب من القامات الإعلامية والقيادية الذين تركوا بصماتهم الواضحة في المشهد الثقافي والسياسي والإداري بالمملكة، وقد حظيت مجلة اليمامة طوال مسيرتها الحافلة بالعطاء والإنجازات المشرفة بقامات من رؤساء التحرير يعدون من ألمع وأبرز رموز الصحافة السعودية، ومن بينهم بل وفي مقدمتهم الكاتب الصحفي الرصين والإعلامي الراحل القدير الأستاذ محمد بن أحمد الشدي الذي تولى رئاسة تحرير مجلة «اليمامة» عام 1980م (1400هـ)، واستمر في قيادتها لنحو عقدين من الزمان حتى عام 1998م، محققاً خلال هذه الفترة نقلة نوعية جعلت المجلة واحدة من أبرز المجلات الصحفية والثقافية في السعودية و العالم العربي.
ومن أبرز الإنجازات التي شهدتها مجلة «اليمامة» في عهد الأستاذ محمد الشدي:
أولاً: التطوير التحريري والمهني:
التحول إلى العمل المؤسسي المنتظم، نقل المجلة من الإطار التقليدي إلى العمل الصحفي الاحترافي الحديث، من خلال تنظيم الهيكل التحريري وتحديد الأبواب الثابتة.
التوازن بين الثقافة والسياسة، نجح أبو عبدالعزيز في جعل المجلة منصة تجمع بين التحليلات الرصينة، والمتابعات السياسية والاجتماعية، والملفات الثقافية والأدبية العميقـة.
استقطاب القامات الفكرية، فتح أبواب المجلة لكبار المفكرين والأدباء والكتاب من داخل المملكة وخارجها، مما رفع من القيمة المعرفية للمجلة وجعلها مرجعاً للمثقفين.
ثانياً: التحديث الفني والاخراجي
حيث تم إدخال الألوان والطباعة الحديثة، وحيث شهدت «اليمامة» في عهده، تطوراً كبيراً من حيث الجوهر والمظهر، في المحتوى كذلك التصميم والإخراج الفني، والاعتماد على الطباعة الملونة الفاخرة، مما جعلها منافسة للمجلات العربية الصادرة في بيروت ولندن.
أيضاً الاهتمام بالصورة الصحفية حيث أصبحت الصورة والرسوم الكاريكاتيرية عنصراً أساسياً في صياغة هوية المجلة البصرية وجذب القراء.
ثالثاً: الانتشار الجغرافي والنمو التسويقي:
لقد توسعت رقعة التوزيع وتحولت «اليمامة» من مجلة محلية النطاق إلى مجلة واسعة الانتشار على مستوى منطقة الخليج والعالم العربي ككل، وشهدت قفزة في أرقام التوزيع حيث حققت المجلة في عهده أرقام توزيع قياسية وغير مسبوقة، وأصبحت من الموارد الاستثمارية والإعلانية القوية لمؤسسة اليمامة الصحفية.
رابعاً: دعم المواهب الشابة والملفات الخاصة، وتمكين الكوادر السعودية
فكان جل تركيز واهتمام أبو عبدالعزيز على استقطاب وتدريب جيل جديد من الصحفيين والكتاب السعوديين الشباب، الذين أصبحوا لاحقاً قيادات في المشهد الإعلامي المحلي.
خامساً: الملفات المتخصصة:
تميزت المجلة بتقديم ملفات وملاحق دورية متعمقة تناقش قضايا التنمية، والتعليم، والفكر المعاصر، بقالب يتسم بالجرأة والموضوعية.
سادساً: أتسمت شخصية رئيس تحرير مجلة اليمامة الأستاذ محمد الشدي بالهدوء والوقار، والحنكة والحكمة، والسجايا الفاضلة، ودماثة الخلق العالية، والتواضع الجم والمبادرات الإنسانية والمواقف النبيلة، والتي كان لها بالغ الأثر في تحقيق أسرة صحفية يسودها الود والترابط، وجعلت أبو عبدالعزيز ثري بحب الناس وتقدير الزملاء في الوسط الإعلامي والثقافي والفني.
الخلاصة
تُمثل فترة رئاسة الأستاذ محمد بن أحمد الشدي لمجلة «اليمامة» العصر الذهبي للمجلة، حيث ارتبط اسمه بالازدهار الفكري والفني لها، وصنع منها مدرسة صحفية تخرجت منها أجيال من الإعلاميين، أصبحوا لاحقاً من أبرز القيادات الصحفية، رحمه الله وجعله في عليين، وجعل ما قدمه رفعةً له في الدنيا والأخرى.