ليلى أمين السيف
قبل مونديال قطر 2022 لم يترك الإعلام الغربي ولا كثير من السياسيين والمعلِّقين الغربيين تهمة إلا وألصقوها بالدولة العربية الصغيرة. قيل إن قطر تفتقر إلى الخبرة وإن البطولة ستكون كارثة تنظيمية وتحوّلت مساحتها الجغرافية إلى مادة للسخرية وكأن نجاح الأمم يُقاس بعدد الكيلومترات لا بقدرتها على الإنجاز.
كان المشهد واضحاً: عالم يتوقع التعثر ونقاد يجهزون عدساتهم لرصد الفشل قبل وقوعه. لكن بينما كانوا يترقبون أن تبتلع رمال الصحراء الحلم المونديالي وجدوا أنفسهم أمام درس استثنائي في الإدارة والتنظيم. فجأة تحولت الدولة التي شككوا فيها إلى نموذج عالمي وتحولت التوقعات المتشائمة إلى إشادات جاءت من كل اتجاه.
لم يكن نجاح قطر مجرد نجاحٍ في استضافة بطولة كرة قدم، بل نجاحاً في صناعة تجربة متكاملة. ملاعب حديثة أصبحت أيقونات معمارية، وشبكة نقل جعلت الانتقال بين الملاعب يستغرق دقائق بدل ساعات، وتجربة سمحت للمشجع بحضور أكثر من مباراة في يوم واحد. كانت البطولة مصممة لتقترب من المشجع لا أن تطلب من المشجع مطاردة البطولة عبر القارات.
أما القيود التي ملأوا الدنيا صراخاً بسببها فقد اتضح أنها لم تكن سوى إطار من التنظيم والاحترام حافظ على هوية الحدث وأمنه. قدمت قطر بطولة شعر فيها الأب والطفل والعائلة بالطمأنينة، ونجحت في تحقيق توازن بين الاحتفال والانضباط دون أن تتحول المنافسة الرياضية إلى فوضى أو استعراض للعربدة.
لقد أثبتت قطر أن العظمة لا تُقاس بالمساحة الجغرافية، بل بالمساحة الحضارية. فالدولة التي استصغروها على الخريطة استطاعت أن تحتل مكانة كبيرة في الذاكرة الكروية وأن تثبت أن الرؤية الواضحة والإدارة الكفؤة يمكن أن تتفوقا على الإمكانات الضخمة حين تغيب عنهما البوصلة.
واليوم جاء الدور على الرهان الذي قُدِّم للعالم بوصفه النموذج الآمن وقمة الحداثة: مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومن هنا تبدأ سخرية الجغرافيا الحقيقية؛ فالدولة التي سخر بعض أبنائها وإعلامييها من صغر قطر وجدت نفسها تصطدم بما يبدو أن المساحة الشاسعة تخفيه من تعقيدات.في قطر كانت الملاعب متقاربة والمدن متصلة كأن البطولة تُقام في حديقة واحدة كبيرة. أما في مونديال 2026 فالمشجع قد يجد نفسه مطالباً بقطع آلاف الكيلومترات بين مباراة وأخرى والتنقّل بين دول ومدن ومطارات ونقاط تفتيش وحدود وإجراءات لا تنتهي. وكأن البطولة لم تعد منافسة بين المنتخبات فقط، بل اختباراً لقدرة الجماهير على اجتياز متاهة السفر والتنقّل بين آلاف الكيلومترات.
استخفّ كثيرون بالتجربة القطرية يومها ثم جاءت الوقائع لتفرض مقارنتها الخاصة. فإذا بالمشجعين يتداولون قصص التأشيرات والأسعار والتنقّلات الشاقة بينما كانت المباراة التالية في قطر لا تبعد سوى محطة مترو واحدة. أما في مونديال 2026 فقد يفصل بين مباراة وأخرى مطار ورحلة جوية وفاتورة جديدة.
أما المفارقة التي تستحق التأمل فهي أن «الفيفا» والإعلام اللذين كانا يحاسبان قطر على المليمتر أصبحا اليوم أكثر تسامحاً مع الأمتار. ففي الدوحة كان كل تفصيل يُناقش باعتباره قضية مصيرية أما في مونديال 2026 فقد تحولت الانتقادات المتعلقة بالأرضيات والعشب وتكييف الملاعب لكرة القدم إلى ملاحظات عابرة لا تستدعي كل ذلك القلق الوجودي الذي صاحب التجربة القطرية. يبدو أن بعض القوانين مثل العشب نفسه تتمدد وتنكمش بحسب الجهة التي تُقام فوقها البطولة.
لكن الملاعب على أهميتها ليست سوى جزء من الحكاية. فنجاح كأس العالم لا يُقاس بما يراه اللاعب داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل بما يعيشه المشجع خارجه أيضاً. وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي لم تكن في حسبان من سخروا من التجربة القطرية.
ولعل أكثر ما أزعج بعض المنتقدين قبل مونديال قطر لم يكن الملاعب ولا البنية التحتية، بل فكرة أن بطولة عالمية يمكن أن تُنظَّم بروح عربية. تلك الروح التي ترى في الضيف مسؤولية قبل أن تراه زائراً وفي راحته واجباً لا خدمة إضافية. فالضيافة العربية ليست شعاراً سياحياً، بل ثقافة ضاربة في التاريخ نشأت في بيئات كان فيها إكرام الضيف معياراً للمروءة ومصدراً للفخر. ولهذا لم يكن غريباً أن يشعر ملايين المشجعين في قطر بأنهم مدعوون إلى بيت كبير لا مجرد زبائن في حدث رياضي ضخم.
هنا بالذات تظهر المفارقة التي لم تكن في حسبان من سخروا من التجربة القطرية. فالمشجعون واللاعبون والحكام الذين قيل لهم يوماً إن الضيافة العربية مجرد شعار وجدوا أنفسهم في مونديال 2026 يواجهون إجراءات تفتيش مشددة وقيوداً في التنقّل وطوابير لا تنتهي وتكاليف باهظة تبدأ من تذاكر السفر ولا تنتهي عند الفنادق والمطاعم ورسوم التأشيرات والمواصلات. وبينما انصبّت الانتقادات والسخرية حينها على مفهوم الضيافة العربية وجد كثيرون أنفسهم اليوم منشغلين بأسئلة أكثر إلحاحاً: كم ستكلفهم الرحلة وكم ستستنزف من وقتهم وجهدهم قبل أن تطأ أقدامهم المدرجات؟المفارقة الكبرى أن من قدَّم نفسه طويلاً بوصفه النموذج الذي لا يُضاهى في التنظيم وجد نفسه يواجه الانتقادات نفسها التي كان يوزعها على الآخرين بالأمس. وكأن التاريخ قرَّر أن يمنح الجميع فرصة تذوّق الأحكام التي أطلقوها سابقاً على غيرهم.
فالدرس الذي لا يعجب المتكبرين بسيط: الحضارة لا تُقاس بحجم الاقتصاد ولا بقوة الجواز ولا بعدد ناطحات السحاب، بل بما يشعر به الضيف أثناء إقامته وبعد مغادرته. بهذا المعيار نجحت قطر في أن تجعل ملايين المشجعين يغادرون وهم يحملون ذكريات جميلة ورغبة صادقة في العودة.ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ بعد إسدال الستار على مونديال 2026 : هل ستُذكر البطولة لأنها أبهرت العالم فعلاً أم لأنها أثبتت أن السخرية من الآخرين قد ترتد يوماً على أصحابها؟ على أية حال التاريخ لا يكتب أسماء من سخروا أولاً، بل أسماء من نجحوا في النهاية.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد