أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
لقد كان الأستاذ الدكتور عز الدين موسى -رحمه الله- إنساناً رائعاً بمعنى الكلمة وعالماً فذاً من علماء التاريخ العرب ومفكراً جليلاً مبدعاً من ذوي الفكر والثقافة والعلم وصناع الكلمة وعشاق القلم ومحبي المعرفة.
كما كان -رحمه الله- صرحاً شامخاً زاخراً بعطاءات علمية دافقة مخلصة وسمات إنسانية متفردة دافئة سامقة تأسست عليها بفضل الله عزوجل عبر الزمن دعائم صرحه الخالد الذي رفرفت عليه أعلام العز والشرف، والتي أعتقد أنها ستظل ترفرف خفاقة على مدى الدهر فخراً بمجده فوق هامات السحب.
وليس ذلك بمستغرب عليه حقيقة، فلقد ترك -رحمه الله- خلفه سيرة مهنية أكاديمية وإنسانية ناصعة غير عادية، فلم يكن طيب الله ثراه مجرد أكاديمي فحسب، بل كان أنموذجا حياً للمهنية الحقة والحضور الإنساني اللافت المميز الذي حظي بجليل الاحترام بين زملائه وتلامذته، بل وبين كل من احتك به او شرف بالعمل معه أو التعلم بين يديه أو سمع عنه من الآخرين.
ولا شك أن خبر رحيله لم يكن أمرا عابراً بل كان حدثاً محزناً ومصاباً جللا أليما تجذر في نفوس محبيه كمدا تحفزه الكثير من ذكريات تلامذته وزملائه معه على مدى السنوات التي عرفوه فيها؛ فعز الدين موسى رحمه الله لم يمت بل هو حي بين البشر بإرثه الأكاديمي والإنساني الحافلين بالمهنية والالتزام اللذين لا يمكن محوهما مهما تواترت السنون ومضت الدهور.
فلكم هو محزن حقاً أن أشارككم أحبتي هذه الأسطر المخضبة بمدامعي التي أسكبها حزناً وألماً على فراقه وأبثها غيضاً من مآثر فيضه الرحب العذب النمير. فقد عهدته رحمه الله إنساناً مخلصاً وفياً متصالحاً مع نفسه ومع الغير طيب القلب غيوراً على الحق لا يخاف في الله لومة لائم صادق المنظور منظومي النظر للحياة والكون.
وليس ذلك فحسب بل شهدت له -رحمه الله- أيضاً أقلام العدول بالعلم والفضل والكرامة والمجد والصيت حتى أضحت ذكراه العطرة ملء السمع والبصر وشخوص إشارات البنان. ولذا لا غرابة أن كان رحمه الله بلا مبالغة أنموذجاً صادقاً من نماذج الوفاء والكرم والنخوة والجرأة والشجاعة والإخلاص في القول والعمل الدؤوب.
كما كان الدكتور عز الدين موسى أنموذجاً فريدا للتجرد من الذات، والتواضع، والارتقاء فوق المنافع الشخصية، فمنح قلبه الكبير للناس كل الناس فأحب الناس وأحبوه في كل مصر حل فيه أو ارتحل لسواه. فقد تخطى رحمة الله عليه بحبه للناس ثم بحب الناس له وبقدراته ومواهبه حدود الوطن وتربع على عروش الفكر والعلم والثقافة في أكثر من وطن وامتلكت سويداء قلبه سويداء قلوب أحبائه من مفكري وعلماء ومثقفي المعمورة.
جاب الأمصار منطلقاً من السودان فدرس مرحلة ما بعد الثانوية في الجامعة الأمريكية في بيروت حتى تخرج فيها عام 1975 للميلاد بدرجة الدكتوراه. بعد ذلك عمل في جامعة أحمد وبللو بنيجيريا حيث شغل فيها مناصب عدة منها وكيلاً لقسم التاريخ ثم رئيساً له ومديراً لمشروع دراسة مستفيضة لتاريخ شمال نيجيريا. ثم حظيت به بعد ذلك جامعة الملك سعود أستاذاً فذاً مرموقاً بقسم التاريخ الذي شهد صولاته وجولاته اللاتي كانت محط اكبار زملائه وتلامذته بل ومحط تقدير القاصي والداني في تلك الجامعة الأم العريقة.
وبعد أن غادر جامعة الملك سعود تاركاً صداه الطيب في كل ركن من أركانها السامقة، أصبح عميدا لكلية الدراسات الإستراتيجية في جامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية حيث تدفقت عطاءاته هناك كما عهدناه وتواصلت أطيافه المستنيرة لتصل الناس كل الناس. وقبل ذلك وبعده فقد تقلب طيب الله ثراه عبر تاريخه المجيد بين جامعات البلاد العربية أستاذاً زائراً جليلاً لا يشق له غبار، فحظيت به على سبيل المثال لا الحصر، جامعة محمد الخامس بالمغرب وجامعة سيدي محمد بفاس وجامعة آل البيت بالأردن. كما جاب أمصار الغرب والشرق مشاركا بما عرف عنه من تميز وحضور سامق في المؤتمرات والندوات العلمية وورش العمل ومنصات مناقشات الرسائل العلمية والاستشارات الأكاديمية ودراسات الجدوى التاريخية. ولا شك أن تطواف الدكتور عز الدين موسى رحاب العالم الواسعة قد أكسبته خبرة لا تجاريها خبرة وصيتا قل نظيره وسمعة شنفت بها الآذان وازدانت بها أروقة الفكر ومحافل الثقافة ودور العلم ومؤسساته التي دُوِنَت فيها سيرته العطرة بماء من ذهب وأحرف من نور.
لقد أَثرَت أعمال الأستاذ الدكتور عز الدين موسى التاريخية المكتبة العربية التي حظيت بطيف عريض من مؤلفاته المتخصصة في مختلف أوجه التاريخ فكراً وفلسفة وتنظيراً وتطبيقاً. فقد صدرت له العديد من الكتب والبحوث والدراسات العلمية المحكمة التي ترجم بعضها إلى أكثر من لغة. فكتب بقلم الحاذق الدرب الرصين في التراث والاستشراق والسيرة النبوية وحوار الحضارات والتواصل الثقافي والاجتماعي والتجديد في الفكر الإسلامي آخذا في الحسبان واقع الخطاب العربي حاضرا ومستقبلا. كما حظيت النوادي الادبية ومنتديات المملكة وندواتها وخاصة أحدية راشد المبارك واثنينية وفائية باجنيد وثلوثية بامحسون الثقافية وثلوثية المشوح وسبتية مركز حمد الجاسر الثقافي واثنينية عبد المقصود خوجة ونظائرها الأخرى في داخل المملكة وخارجها.
لا أبيح سراً إن قلت أن ليل الدكتور عز الدين موسى طيب الله ثراه قد تأرق نتيجة لأرق صاحبه الذي لم تنم له عين وهو يفكر ويقلب الفكر في واقع الدراسات التاريخية العربية لينجلي ذلك الأرق بعد ليال طوال عن فجر أسفر صبحه مشرقا بتجلياته التي أجملها رحمه الله في قراءة جديدة للفكر التاريخي عامة والإسلامي منه خاصة رافعا في هذه القراءة لواء التجديد للفكر المنهجي الذي أرقه لسنوات حتى تمكن رحمه الله من استوائه على الجودي. فيعد سفره الذي أصدره طيب الله ثراه عام 2003 بعنوان «وقفات منهجية مع المفاهيم والمنظور والأساليب» أنموذجاً رائعاً لذلك الاستواء.
إن من يقرأ مؤلفات الاستاذ الدكتور عز الدين موسى سيخرج بمنظور واسع وقراءة ممتعة لمسيرة جادة آثرت المعاناة على الدعة والتجدد على السكون فجاءت نتائجها بقدر المعاناة صرخات مدوية في آذان كل من أحب العلم ونظرياته المعرفية وعمل من أجل رفعة شأنها وتمكينها كما فعل صاحبنا الجليل. ومن هذه الصرخات إعلانه، في أكثر من بحث وخاصة في وقفاته المنهجية، طغيان المفاهيم على الطرائق مبينا في هذه الصرخات خطورة الاستشراق في تناول السيرة النبوية على سبيل المثال لا الحصر.
كما أعلن صراحة جناية المنهج على حقائق التاريخ مستشهدا بحركات الاصلاح في غرب أفريقيا وموضحا بجلاء أنها حركات قد أثَّرَت سلبا على الطرائق والأساليب المنهجية فغيرت الحقائق المفردة بالتضعيف والاستبعاد والتأثير على المجالين المكاني والزماني. كما لم يتردد في الحكم على الدراسات التاريخية العربية الشاملة التي وسمها بالوصفية في أغلب أحوالها وأعلن افتقارها إلى حد كبير للمنظور الذي يرى سعادته أنه المنطلق الذي تستبصر به وحدة التاريخ على اختلاف فتراته وتمايز مناطقه وبه تعلل مسيرته وتُفَسَّرُ أحداثه. ولقد استقرأ طيب الله ثراه بنية ثورته من واقع أزمة خطيرة تمر بها الدراسات التاريخية العربية المعاصرة وخاصة على مستوى المفاهيم والطرائق والأساليب والمنطلقات المنظورية والمصطلحات. فنادى بثورة منهجية فاعلة تتسق وتسير وفق مستجدات العصر وخطابه البرجماتي الذي توجهه الثورة الصناعية وتقنيات المعلومات وطفرة الحاسوب والشبكات البرمجية والوسائط المدمجة والانترنت وقفزات الكم والإحصاء.
ولا بد هنا من وقفة حق تسجل لصالح الدكتور عز الدين موسى الذي لم تكن صرخاته شعارات بلا صدى لا بل كانت واقعا تجلى في تطبيقه طرائق الكم في أبحاثه التاريخية التي أذكر منها دراسته المشهورة المميزة عن «علماء المدينة المنورة في العصر الأموي» وكذلك قراءته لعلاقة بنى أمية بالموالي وتطبيقه لهذه الطرائق في بحثه عن بن سعد وطبقاته. كما درب طلابه وطالباته على هذه الطرائق التي أضحت معلما يحتذى في العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة التي أشرف عليها .
وقبل أن أختم هذا الجزء من مقالي أود أن أشير إلى أن الدكتور عز الين موسى قد أبلى بلاء حسنا في تتبع المنظور في البحث التاريخي المعاصر وخاصة في كتابه وقفات منهجية الذى أعتقد أنه قد أفلح بشكل كبير في إقران منظوره الفكري فيه بنظرية المعرفة لتفسير التاريخ الاسلامي متخذا في دعم هذا الاقتران الفلسفي المنهجي التوجه برجماتيا عبد العزيز الدوري أنموذجا وموريس لمبارد مثالا وظفه في قراءة التاريخ الاقتصادي للعالم الاسلامي. ولا شك أن قراءاته المنهجية الصارمة هي انعكاس لأسس اكاديمية جادة في مراحل ما قبل التدريس والبحث الأكاديمي واقصد بذلك مرحلتي الماجستير والدكتوراة. فكانت رسالته للماجستير عن «تنظيمات دولة الموحدين» بينما كانت رسالته للدكتوراة عن «النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري». وربما لن أكون مخطئا لوقلت ان الدكتور عز الدين موسى هو من رعيل المشارقة الاول الذين اهتموا بالتاريخ المغربي ونظمه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أن هذه السيرة العطرة والمسيرة العلمية الفذة قد لاقت قبولا لدى دور العلم ومؤسساته والمنتديات والأندية ومقامات صنع القرار المحلى والعالمي. فقد حصل طيب الله ثراه على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الاسلامية ووسام السودان الذهبي للعلوم والآداب. كما صدرت إرادة ملكية هاشمية بمنحه عضوية مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي.
إن إنسانية الدكتور عز الدين موسى الفذة المفطورة على حب العلم والخير والإيثار والكرم والود والوفاء والنخوة والاباء هي الزاد لعلاقتي به وقربي منه وازدياد محبتي وإكباري وتقديري له.
رحم الله الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً وألهم أسرته وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. إنا على فراقك أيها الصديق لمحزونون. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.