رمضان جريدي العنزي
العنصرية البغيضة داءٌ يفسد العقول قبل أن يفسد المجتمعات، ويزرع الفرقة والبغضاء بين الناس، فتجعل المرء يقيّم الآخرين بأصولهم وأنسابهم وألوانهم، لا بأخلاقهم وأعمالهم، وهي من الجاهليات المذمومة التي حاربها الدين والعقل والفطرة السليمة، لأن الناس جميعًا يجمعهم أصلٌ واحد، ولا فضل لأحدٍ على أحد إلا بالتقوى وحسن الخلق والعمل الصالح، فما رفعت العنصرية أمةً، ولا بنت مجدًا، ولا أقامت عدلًا، بل كانت سببًا في نزاعاتٍ وخصوماتٍ وتمزقٍ اجتماعي وحروب واقتتال وتفرقة وفتن لا يجني منه أحدٌ سوى الخسارة، أما أصحاب النفوس الكبيرة فينظرون إلى الإنسان بقيمته ومروءته وأثره الطيب، لا باسمه ولا قبيلته ولا لونه، ومن ابتُلي بالعنصرية فقد ضيّق أفقه، وحبس نفسه في أوهام التفوق الزائف، بينما ترتفع الأمم حين يسود بينها العدل والاحترام والتعاون، ويُوزن الناس فيها بما يقدمونه من خيرٍ وعطاء، لا بما وُلدوا عليه من نسبٍ أو انتماء، وإذا كانت العنصرية البغيضة تنشأ من وهم التفوق والاستعلاء، فإن أخطر ما فيها أنها تحجب صاحبها عن رؤية الحقائق، فيظن أن الفضل حكرٌ على فئة دون أخرى، وأن الكرامة تُورث بالأنساب لا بالأعمال، مع أن التاريخ مليء بالشواهد التي أثبتت أن الأمم لا تنهض إلا بسواعد أبنائها جميعًا، وأن المكارم لا تُعرف بالألقاب ولا بالأصول، وإنما تُعرف بالمواقف والإنجازات، وكم أهدرت العنصرية من طاقات، وأقصت من كفاءات، وفرّقت بين قلوب كان يمكن أن تجتمع على الخير والبناء، فهي لا تظلم من تقع عليه فحسب، بل تظلم المجتمع بأسره حين تجعل معيار التقييم قائمًا على الانتماء لا على الاستحقاق، وعلى الاسم لا على القيمة، وعلى الشكل لا على الجوهر، والمؤسف أن بعض الناس ما زالوا يتفاخرون بأمورٍ لم يصنعوها بأيديهم، ولم يبذلوا في تحصيلها جهدًا، فيرون لأنفسهم منزلةً على غيرهم لمجرد نسبٍ أو قبيلةٍ أو لونٍ أو منطقة، متناسين أن أعظم الرجال في التاريخ لم ترفعهم أصولهم بقدر ما رفعتهم أعمالهم، وأن الإنسان يُذكر بما قدّم، لا بما انتسب إليه، إن المجتمعات الراقية هي التي تنتصر للعدل، وتفتح أبواب الفرص أمام الجميع، وتجعل التفاضل بين الناس قائمًا على الكفاءة والأمانة وحسن الخلق، أما حين تتسلل العنصرية إلى النفوس، فإنها تزرع الأحقاد، وتؤجج الضغائن، وتُضعف روح الانتماء، وتُبدد الطاقات في صراعاتٍ لا طائل من ورائها، فليحذر كل عاقل من هذا الداءالخبيث، وليعلم أن قيمة الإنسان فيما يحمله من دينٍ وخلقٍ وعلمٍ ومروءة، لا فيما يحمله من اسمٍ أو نسب، فالناس جميعًا من تراب، وإلى تراب، ولن يبقى للمرء بعد رحيله إلا أثره الطيب، وعمله الصالح، وسيرته الحسنة بين الناس.
وفي الختام، فإن موقدي الفتنة العنصرية لا يبنون مجداً، ولا يصنعون وطناً، ولا يرفعون قدراً، وإنما يزرعون الأحقاد في القلوب، ويمزقون أواصر الأخوة، ويهدمون ما بناه العقلاء من وحدةٍ وتآلف، وإن التاريخ لم يحفظ لأصحاب الفتن إلا سوء الذكر، ولم يورثوا مجتمعاتهم إلا الفرقة والندم، فليتقِ الله كل من ينفخ في نار العصبية، ويوقظ الأحقاد النائمة، فإن الكلمة قد تشعل فتنةً لا تنطفئ آثارها لسنوات، وإن أعظم الناس جرماً من جمع القلوب على العداوة بعد أن كانت مجتمعة على المحبة والوئام، وستبقى الأخلاق والعدل والتقوى هي الموازين الحقيقية لقدر الإنسان، أما العصبية والعنصرية فليستا إلا سلوكاً بائساً لا يصدر إلا عن ضيق أفقٍ وضعف حجةٍ وقلة مروءة.