د. خالد بن سالم الحربي
في ظل هيمنة ثقافة الصورة والمظهر، أصبحت «الشطارة» في الإخراج السينمائي سلاحًا ذا حدين. فبينما يستخدمها صناع أفلام الدراما بشكل إبداعي لإثراء المشهد وإمتاع المشاهد، نجدها تتحول إلى أداة خطيرة في أيدي بعض قادة المؤسسات، حيث يتم استغلال مخرجي إدارات الإعلام في صناعة أفلام دعائية، تهدف إلى تزوير الواقع واختلاق إنجازات وهمية، لخداع المشاهد وتقديم صورة مزيفة عن أداء مؤسسي أو قيادي، مما يحول الفن النبيل إلى أداة للغش المنظم.
لا يوجد فرق جوهري في المنهج التقني بين أدوات مخرج الأفلام الدرامية وتلك التي يستخدمها مخرج إدارة الإعلام في المؤسسات، فكلاهما يعتمد نفس الأدوات السينمائية من تصوير ومونتاج ومؤثرات، إلا أن الفرق يكمن في الغاية والنية. فبينما يهدف الأول إلى صناعة مادة ترفيهية أو فنية، يدرك المشاهد منذ البداية أنها ليست سوى تمثيل لقصة أو رواية ما، نجد أن هدف الثاني (مخرج إدارة الإعلام) ينقلب في كثير من الأحيان إلى خداع بصري وتضليل مقصود، إذ يُقدّم مادته على أنها انعكاس للواقع، فيتلقّاها المشاهد بوصفها سجلاً حقيقياً لإنجازات المؤسسة، بينما يخفي التناقض بين ما يُعرض والحقيقة الفعلية.
لقطات لزاوية منخفضة تخلق صورة زائفة لقائد أو رئيس المؤسسة، وتخفي وراءها ضعفًا وجمودًا في الأداء. لقطات أخرى له وهو يتجول بثقة في الممرات الفارهة، ليس كرمز للفعالية، بل كلقطات تمويهية عن غيابه الفعلي عن ساحات العمل الحقيقية. موسيقى ملحمية تمثل غطاءً صوتيًا يخفي فراغ الإنجاز الحقيقي ويخلق شعورًا زائفًا بالإثارة والنجاح. مونتاج سريع يبالغ في تضخيم أنشطة بسيطة ويومية، ويقدمها على أنها طفرة إنتاجية غير مسبوقة وخلق زمن وهمي من الإنتاجية والابتكار. لغة تضليل يستخدم فيها مصطلحات رنانة ومبهمة مثل «تحول استراتيجي» و«طفرة نوعية» و«إعادة هندسة العمليات» دون تقديم أي إنجاز ملموس يمكن قياسه. والهدف فقط هو إظهار منجزات ذلك القائد الزائفة وإبهار العامة وغير المتخصصين وإسكات التساؤلات النقدية تحت وطأة العبارات الرنانة.
عندما يتحول الفيلم إلى غطاء للإخفاق يتم خداع المساهمين والجهات الرقابية والجمهور، وتتحول المؤسسة إلى بيئة تنتج «أفلام نجاح» بدلاً من إنجازات حقيقية. عندما تصرف ميزانيات ضخمة على حملات دعائية كاذبة بدلاً من استثمارها في معالجة مواطن الخلل الحقيقية. عندها يفقد الجمهور ثقته ليس فقط في المؤسسة، بل في قوة الصورة.
لقد أصبحت «شطارة» إدارة الإعلام الإخراجية علامة على أزمة أخلاقية ومهنية. حيث جعلت هذه الأفلام الدعائية الكاذبة بمثابة «مكياج» يُخفي تجاعيد الإخفاق. والمشكلة ليست في قدرة البعض على تطبيقه، بل في نجاحهم في إقناع الآخرين بأن هذه الصورة المزيفة هي حقيقتهم.