محمد بن عيسى الكنعان
منذ بداية الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في مارس من العام الجاري (2026م) على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية - الإيرانية، التي توقفت مؤقتًا لمدة 60 يومًا وفق مذكرة التفاهم الموقعة بين الأمريكان والإيرانيين؛ منذ تلك الاعتداءات ولبنان في عين العاصفة المدمرة، فقد سقط لبنان الكبير في مأزق المواجهات العسكرية المتواصلة بين عدو مُحتل (إسرائيل)، وحزب مُختل (حزب الله)، نتج عنها سقوط أكثر من 3800 قتيل، وأكثر من 11800 جريح، وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمنشآت المدنية في الجنوب وجانب من بيروت بتكلفة إعمار تتجاوز 25 مليار دولار. ولو نظرت إلى المشهد اللبناني لوجدته معقدًا، وملتبسًا، ومتناقضًا. ولكي تتضح الصورة أكثر بين طرفي الصراع نتأمل مواقفهما الثابتة وحجتهما السياسية.
فنجد أن إسرائيل تعتبر (حزب الله) أكبر من كونه حزبا ضمن المكونات السياسية اللبنانية، إنما ركيزة أساسية فيما يسمى (محور المقاومة) ضمن المشروع الإيراني بالمنطقة، وبالتالي فإن إيران تمثل تهديدًا فعليًا لإسرائيل بحكم ارتباط (حزب الله) بهذا المشروع ارتباطًا أيدولوجيًا وإمدادًا عسكريًا، خاصةً أن الحزب يتمتع بقدرات عسكرية كبيرة على حدود إسرائيل الشمالية، ويهدد بلداتها ومستوطناتها، وأن نزع سلاحه ضرورة جيوسياسية، والطريق الوحيد لصنع السلام بين إسرائيل ولبنان، خصوصًا في ظل مفاوضات واشنطن، كون استمرار تسلح الحزب أساسًا - حسب الرأي الإسرائيلي - يُخالف قرار مجلس الأمن رقم (1701) الذي نص على وجوب خلو منطقة جنوب نهر الليطاني من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وذلك على خلفية انتهاء حرب 2006م. بل حتى تراجع (حزب الله) إلى شمال الليطاني لا تعتبره إسرائيل حلًا مقنعًا، أو طريقًا لهدوء الجبهة، كونه لا يمنع خطر الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي يطلقها الحزب على إسرائيل، وبالتالي فبقاء السلاح بيد الحزب يعني بقاء التهديد الإستراتيجي لأمن إسرائيل.
في المقابل، يرفض (حزب الله) تمامًا فكرة التخلي عن سلاحه؛ لأنه يراه الضمانة الوحيدة والرادعة لحماية لبنان من أطماع إسرائيل واعتداءاتها المتكررة، فإسرائيل لا تحتاج لذرائع أو مبررات للعدوان بدلالة وجود مناطق ونقاط حدودية لبنانية محتلة، فعلى الرغم من إعلان إسرائيل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000م، إلا أنها مستمرة باحتلال مزارع شبعا، وتلال كفرشوبا وغيرها، متذرعةً بوجوب تحديد هوية هذه المناطق عبر الأمم المتحدة قبل الانسحاب منها؛ بحكم أنها كانت خاضعة للسلطات السورية قبل عام 1967م. كما أن (حزب الله) لا يرى في الجيش اللبناني القدرة العسكرية والإمكانات الكافية التي تؤهله للرد أو حتى الصمود في وجه الاعتداءات الإسرائيلية بمفرده، ما يعني حاجة الجيش للحزب دعمًا ومقاومة. خاصةً أن إسرائيل - كما يقول الحزب - لا تلتزم بتطبيق القرارات الدولية مثل قرار (425) أو (1701)، ولا يوجد ضمانات أو التزامات دولية تمنع العدوان الإسرائيلي على لبنان.
بين هذين الموقفين يتجلى الموقف الثالث، وهو الموقف اللبناني الوطني الذي يمثله أغلب الأحزاب والتيارات اللبنانية إن لم يكن جميعها، الموقف الرافض لوجود سلاح غير سلاح الدولة اللبنانية مهما كان الحزب أو الطائفة، فوجود جيشين داخل الدولة يتعارض مع مبدأ سيادتها، ويُعطل نموها، ويجعلها رهينة للعبة المحاور الإقليمية، كما أن هذا الموقف اللبناني الوطني يرفض الادعاءات والتبريرات الإسرائيلية، ويُكّذب مزاعم إسرائيل أنها تسعى إلى السلام أو تريده، إنما تستغل الواقع اللبناني الداخلي الجريح؛ لهذا يؤكد اللبنانيون أن تسليم (حزب الله) سلاحه للجيش اللبناني يُسقط ذريعة إسرائيل الأساسية لشن عدوانها المتكرر على لبنان، ويرون أن استمرار الحزب في سياسته المخالفة للتوجه الوطني بالامتناع عن تسليم السلاح يؤكد أن الحزب يُقدم المصالح الإيرانية على الاعتبارات اللبنانية الوطنية، وذلك وفق مفهوم (وحدة الساحات أو ربط الجبهات)، أي ربط جبهة لبنان بساحات المواجهة بين إيران وإسرائيل في كل المنطقة، وهذا يجعل لبنان في قلب الحرب الإقليمية، ويحرمانه من الاستقرار السياسي والاقتصادي. ناهيك عن أن السلاح يمنح الحزب قوة سياسية داخلية بين الأحزاب والتيارات، ما يجعله صاحب القرار الأول أو الحضور الأقوى في المعادلة اللبنانية، وصاحب التأثير في البرلمان والحكومة.
إن مأزق لبنان اليوم أنه واقع بين عدو خارجي محتل، وحزب داخلي مختل، كل طرف منهما يُبرر تعنت موقفه بما يفعله الطرف الآخر، وهو في ذات الوقت يتمنى استمرار فعله لأنه يصب في مصلحته ويعزز موقفه؛ فإسرائيل تُدرك أن (حزب الله) لن يتخلى عن سلاحه لأنه مُرتهن بطهران لذلك تواصل عدوانها على الأراضي والشعب اللبناني، والحزب في المقابل يعي أن إسرائيل لن تتوقف عن عدوانها وهذا يُبرر له التذرع ببقاء السلاح فيستمر بالتصدي لها بحجة المقاومة. والمحصلة النهائية لبنان بلد منهك وجريح وسط حرب لا تعنيه.