مهدي آل عثمان
شهدت إيران منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 نموذجاً سياسياً فريداً يقوم على مبدأ ولاية الفقيه، حيث يحتل المرشد الأعلى موقع القيادة العليا للدولة وصاحب التأثير الأكبر في رسم السياسات الإستراتيجية والعسكرية والأمنية. وعلى مدى ما يقارب نصف قرن ارتبطت صورة النظام الإيراني بشخصية المرشد، حتى أصبح وجوده أحد أبرز ملامح الدولة الإيرانية الحديثة وأحد أهم مرتكزات عملية اتخاذ القرار فيها.
إلا أن المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة أعادت طرح العديد من التساؤلات حول مستقبل هذا النموذج السياسي، ومدى قدرته على التكيف مع التحولات الداخلية والإقليمية والدولية المتسارعة. فقد برزت مؤشرات تدفع بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت إيران مقبلة على مرحلة جديدة تختلف في آلياتها عن المراحل السابقة، سواء على مستوى توزيع الصلاحيات أو طبيعة إدارة الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وخلال العقود الماضية اعتادت المنطقة والعالم متابعة المواقف الإيرانية الكبرى من خلال خطابات المرشد الأعلى وتصريحاته المباشرة، باعتباره المرجعية السياسية والدينية العليا في البلاد. إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت حضوراً أكبر للمؤسسات التنفيذية والسياسية والأمنية في إدارة المشهد، الأمر الذي فتح المجال أمام تفسيرات متعددة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت إيران تتجه نحو نموذج أكثر مؤسسية في إدارة الدولة مع بقاء دور المرشد في الإطار الإستراتيجي العام.
يعزز هذا الطرح أن التحديات التي تواجهها إيران اليوم تختلف كثيراً عما كانت عليه في العقود السابقة. فالأوضاع الاقتصادية، والعقوبات الدولية، والتحولات الإقليمية، وتغير موازين القوى العالمية، جميعها عوامل تدفع باتجاه البحث عن صيغ أكثر مرونة في إدارة الدولة والعلاقات الخارجية. كما أن الأجيال الجديدة داخل المجتمع الإيراني باتت أكثر اهتماماً بالاستقرار الاقتصادي ومستوى المعيشة وفرص التنمية من اهتمامها بالشعارات الأيديولوجية التي سادت خلال العقود الأولى للثورة.
ومن جهة أخرى، فإن أي قراءة لمستقبل إيران لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الدولية الكبرى. فالعالم يشهد اليوم إعادة تشكيل للتحالفات ومراكز النفوذ، وتسعى القوى الكبرى إلى بناء توازنات جديدة تحقق مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. وفي ظل هذه المعادلة قد تجد إيران نفسها أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية بصورة أكثر فاعلية، بما يحقق مصالحها الاقتصادية ويخفف من حدة الضغوط التي تواجهها.
ومع ذلك، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بشكل النظام السياسي فقط، بل بطبيعة السياسات التي سيتبناها خلال المرحلة المقبلة. فالتجارب السياسية تثبت أن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، كما أن تطوير الهياكل التنظيمية لا ينعكس تلقائياً على سلوك الدول في محيطها الإقليمي والدولي.
من هنا فإن الأنظار تتجه إلى كيفية تعامل إيران مع محيطها الخليجي والعربي خلال السنوات القادمة. فالعلاقة بين إيران ودول الجوار ظلت لعقود طويلة محكومة بحالة من الحذر والتوتر نتيجة ملفات متعددة ارتبطت بالتدخلات الإقليمية ودعم الجماعات المسلحة والصراعات الممتدة في عدد من الدول العربية.
وفي المقابل، فإن دول الخليج العربي ودول الجوار لا تنظر إلى طبيعة النظام الإيراني بقدر ما تنظر إلى سلوكه السياسي الخارجي. فالقضية الأساسية بالنسبة لهذه الدول لا تتمثل في شكل النظام أو هوية قيادته، وإنما في مدى التزامه بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وإذا ما اتجهت إيران خلال المرحلة المقبلة إلى مراجعة سياساتها الخارجية، والتخلي عن نهج تصدير الثورة، وتقليص دعم الميليشيات والتنظيمات المسلحة خارج حدودها، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية تقوم على المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني.
فإن مستقبل إيران لن يتحدد بتغير الأشخاص أو تبدل مواقع النفوذ داخل النظام فحسب، بل سيتحدد قبل ذلك بمدى تغير سلوكها السياسي تجاه محيطها الإقليمي. فدول الخليج العربي ودول الجوار لا تعادي إيران بوصفها دولة، ولا ترفض حضورها كقوة إقليمية، لكنها ترفض السياسات التي تقوم على تصدير الثورة، والتدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الميليشيات والأذرع المسلحة في الدول المجاورة. ومن هنا، فإن أي تحول حقيقي في النظام الإيراني أو في توجهاته الخارجية نحو احترام سيادة الدول وحسن الجوار والتعاون الاقتصادي والأمني سيجد بلا شك قبولاً أوسع لدى دول المنطقة، وسيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة بدلاً من الصراع والتوجس. أما إذا بقيت السياسات القديمة حاضرة بثوب جديد، فإن تغيير الأسماء أو المواقع لن يكون كافياً لبناء الثقة أو إنهاء حالة القلق التي صنعتها إيران بنفسها طوال العقود الماضية.