هشام عدرة
مازال الحجر البازلتي بلونيه الأسود والأزرق الغامق اللون مستخدماً بشكل واسع في عمارة المنازل ودور العبادة والأماكن العامة، وفي رصف الشوارع والأزقة التراثية في كثير من المدن العربية والعالمية، حتى أن مدناً عربية اقترن اسمها بهذا الحجر لطغيانه في أبنيتها وقصورها وشوارعها ومنها مدينة (السويداء) في جبل العرب في سوريا، حيث يُقال إن تسميتها جاءت من أحجارها السوداء الغامقة، وكذلك مدينة حمص ثالث أكبر المدن السورية أطلق عليها لقب (أم الحجار السود) لكثرة الأبنية المشادة فيها بالحجر البازلتي وكذلك رصف أزقتها وشوارعها القديمة بهذا الحجر التراثي البيئي.
وقد استخدم الإنسان القديم الحجارة البازلتية منذ العصور الحجرية حيث عثر من خلال التنقيبات والمكتشفات الأثرية على فؤوس وبلطات ورؤوس السهام في المغاور مصنوعة من البازلت، وبدأت الأشكال الأولى للسكن منذ القرن الرابع قبل الميلاد حيث مازالت الشواهد باقية من قلاع وحصون ومدافن وأعمدة رغم مرور آلاف السنين، فقد صمدت الحجارة البازلتية أمام تقلبات وظروف المناخ وعاديات الزمن.
يصنف الباحثون حجر البازلت على أنه صديق للبيئة، وينتمي إلى نمط العمارة الخضراء فالخبير البيئي الدكتور نادر غازي يرى أن البازلت يعد مورداً مهماً ومادةً طبيعية لحماية البيئة، فالقصور الفخمة والأوابد لا تزال شاهدةً حتى الآن على روعة الحجر البازلتي وجماله، وهو متوافر بأحجام مختلفة ويُستخدم كثيراً في فرش الطرقات والردم وصناعة الأسمنت في البلدان العربية ودول الخليج وأوروبا، كما يتمتع البازلت بخصائص كثيرة كمقاومته للحريق والأحماض والحت والاهتراء ويعد عازلاً للحرارة والرطوبة ومقاوماً للصقيع وكاتماً للسوائل إضافة إلى أنه ذو ثبات عال للتبدلات الحرارية تصل حتى 700م.
وللحصول على الحجارة البازلتية المعدة للبناء ولرصف الشوارع تنتشر في العديد من البلدان المقالع لاستخراج هذا الحجر بالقرب من مناطق تواجد صخورها، حيث تجري عليه عملية تشذيب وتنظيم حتى يصبح صالحاً للعمارة بتقطيع مكعبات الأحجار المعدّة للبناء من الصخور الضخمة وتكون عادة بمقاسين: الأولى أبعادها (18*20) سنتمتر والثانية بأبعاد (28*30) سنتمتر، وبالتالي يعتبر تشييد الأبنية بهذا الحجر من الأبنية القوية جداً فهي لا تتأثر بعوامل الطبيعة ولا تحتاج إلى أعمدة وتبقى مئات السنين صامدة، كما يمكن العودة والبناء فيها من جديد في حال تهدّم البناء.
وعلى الرغم من بساطة البناء بحجر البازلت وكونه صديقاً للبيئة إلاّ أنه يتم اعتماد أسلوب هندسي فني في تشييد الأبنية البازلتية من خلال ترتيبها فوق بعضها في الجدران الخارجية والتي تكون ذات أشكال موشورية (مكعبات كعاب)، أما الجدران المتجهة إلى ساحة المنزل الداخلية ـ كما يذكر الباحث الدكتور عماد الدين الموصلي ـ وسطح أرض الديار وأقواس النوافذ والأبواب فلابد من تقطيع الأحجار البازلتية بأشكالها الهندسية المتناسبة مع موقعها وتشذيبها (نحتها) بشكل دقيق، ولتزيين جدران المساكن البازلتية يعتمد الكثيرون على إضافة أشكال هندسية من الأحجار الكلسية البيضاء ضمنها، وتتبع المساكن في تقسيماتها الداخلية الأسلوب التقليدي في البناء إضافة إلى استعمال الأخشاب بكثرة وبخاصة منها المزخرفة بالرسوم والأشكال الهندسية بطريقة الخراطة والحفر، وبخاصة أبواب النوافذ والخزائن وغيرها. كما لا ينسى أصحاب البيوت البازلتية عمل فجوات خاصة في الجدران الداخلية (طاقة) للزينة أو لوضع القناديل أو الجرار الفخارية فيها في أيام الصيف حيث تمضي السهرات في باحة الدار. أما مساكن حجر البازلت المتعددة الطوابق فغالباً ما تعتمد في بناء السقوف على طريقة الأقواس الحجرية المتصالبة (العقود) ومنها ما يستخدم لتغطية بعض الطرق والممرات في شوارع المدن التراثية ويطلق عليها اسم (صيباط).
ولزيادة جماليات العمارة بالبازلت الأسود فقد ابتكر المعماريون الأوائل وقبل مئات السنين أسلوباً معمارياً جميلاً ومتميزاً، حيث جربوا استخدام الحجر المتناوب (الأسود البازلتي) مع (الأبيض الكلسي) في بناء الجداران الخارجية للمعابد والقصور والبيوت فأنتج معهم أسلوباً ونموذجاً جميلاً ومبتكراً أطلقوا عليه اسم (الأبلق) كمصطلح لغوي عربي فصيح (بلق) يعني سواد وبياض في اللون، ففي شمال غربي السعودية حيث تقع مدينة (تيماء) التي تتبع منطقة (تبوك) تضم قصراً تاريخياً أثرياً، والقصر الشهير يحكي قصة الإرث المعماري الحضاري الذي خلّفه الأجداد، وسمي القصر أو الحصن المنيع بـ(الأبلق) حيث بُنِيَ بالحجارة المتناوبة البيضاء والسوداء وبناه (عاديا) والد الشاعر (السموأل) وكان أول ذكر لـ(الأبلق) في شعر السموأل من القرن الخامس الميلادي عندما بنى له والده حصناً باللونين الأبيض والأسود، بعد ذلك انتشرت في العصر المملوكي في دمشق من خلال القصر الذي بناه القائد المملوكي (الظاهر بيبرس)على ضفاف نهر بردى مكان التكية السليمانية الحالي وأخذ اسم (القصر الأبلق)، فيما عُرِفَ في القاهرة باسم (الحجر المشهر) فبرزت من خلاله جماليات العمارة بالنموذجين وباللونين الأسود والأبيض، ويؤكد الباحثون في علم الجمال والعمارة موضحين، أن تناوب اللونين الداكن والفاتح يخفف إلى حد ما من ثقل كتلته لا بالوزن بل بالخداع البصري وهي قاعدة معروفة علمياً ونظرياً، ولذلك جاءت فكرة البناء الأبلق كمطلب فنّي وليس احتياجاً وظيفياً.
ويوضح الباحث الراحل (قتيبة الشهابي) في كتابه زخارف العمارة الإسلامية في دمشق أن أفقية الخطوط تجعل تلك الكتلة تنساب عرضانياً، حيث يبدو البناء أقل ارتفاعاً وأكثر عرضاً إضافة إلى تميزه عن الأبنية المجاورة أو المحيطة به.
فيما يؤكد الباحث في مجال التراث (محمد عيد الخربوطلي) أن عمارة العهد المملوكي تميزت بالفن الزخرفي وتنوع أشكاله وتكويناته فظهرت المداميك الحجرية ذات الألوان المتناوبة المعروفة بـ(الأبلق).
ولكن فيما بعد تغير هذا النمط مع المحافظة على الاسم ولم يعد يعتمد على اللونين الأبيض والأسود بل صارت الأبلق تسمية تطلق على كل ما هو متناوب في الصفوف الحجرية الأفقية التي تتناوب فيها الألوان، فصار هناك الأحمر والأبيض أو الأسود والأصفر أو الأحمر والترابي أو البني والترابي وغير ذلك.
ولم يقتصر استخدام الأسلوب المتناوب بالحجر البازلتي والحجر الكلسي على الواجهات الخارجية والجدران للمباني بل تعدّاها لاستخدامه في أرضيات الفناء الخارجي حيث الباحة السماوية والبحرات التزيينية، إذ فُرِشَتْ أرض الفناء بالبلاط البازلتي مع الكلسي وكذلك الأمر في إشادة البحرات والفسقيات (البحرات الصغيرة التي تزيّن الصالونات والأواوين في البيوت العربية التقليدية)، فكان أن تفرّد هذا الأسلوب بمفردات خاصة منها الخطوط الهندسية المحورية والتناظر والتوازن وتناغم الأرضيات تصميمياً ووظيفياً مع فناء البيوت ومساحتها ووجود الأشجار والنباتات فيها بما يحقق العديد من الوظائف ومنها التدبيرية والاجتماعية والترفيهية.