صبحي شبانة
في منطقة أنهكتها الحروب والصراعات، وأثقلتها الأزمات الممتدة من غزة إلى السودان وليبيا ولبنان وسوريا والعراق واليمن، مروراً بالتوترات المتصاعدة المرتبطة بالملف الإيراني، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى إلى بناء نظام إقليمي قادر على حماية الاستقرار وصياغة مستقبل مختلف لمنطقة الشرق الأوسط ومن هنا تكتسب الاجتماعات التي شهدتها القاهرة، وجمعت وزراء خارجية المملكة ومصر وتركيا، أهمية تتجاوز حدود التنسيق الدبلوماسي التقليدي، لتؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من العمل الإقليمي المشترك، وربما إلى انطلاق عملية هندسة سياسية وأمنية مختلفة للمنطقة بأسرها.
ففي المراحل الفاصلة من تاريخ الأمم لا تكون اللقاءات الدبلوماسية مجرد لقاءات بروتوكولية عابرة، بل تستوجب النظر إليها كمؤشرات مبكرة على تغيرات أعمق تجري تحت السطح ومن وراء الأحداث، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الاجتماع الذي استضافته القاهرة وجمع كلاً من الأمير فيصل بن فرحان وزير خارجية المملكة، والدكتور بدر عبدالعاطي وزير خارجية مصر، وهاكان فيدان وزير خارجية تركيا، باعتباره أكثر من مجرد لقاء للتشاور حول ملفات إقليمية ملتهبة، بل خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية الكبرى بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة تتطلب صياغة مقاربات مختلفة للتعامل مع التحديات المتراكمة التي تهدد استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
فالشرق الأوسط يعيش منذ أكثر من عقد حالة من الاضطراب المستمر، حروب أهلية، وصراعات بالوكالة، وتدخلات خارجية، وأزمات اقتصادية، وتوترات أمنية متصاعدة، وتراجع في قدرة المؤسسات الإقليمية التقليدية على إدارة الخلافات أو احتواء النزاعات، وبينما كانت بعض القوى الدولية تلعب أدواراً رئيسية في إدارة التوازنات الإقليمية خلال العقود الماضية، فإن التطورات الجيوسياسية التي يشهدها النظام الدولي اليوم، والانشغالات المتزايدة للقوى الكبرى بأزماتها الداخلية وصراعاتها العالمية، دفعت العديد من دول المنطقة إلى إعادة التفكير في كيفية حماية أمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية بأدوات أكثر استقلالية وواقعية، وفي هذا السياق تبرز أهمية التقارب والتنسيق بين الرياض والقاهرة وأنقرة، فهذه العواصم الثلاث ليست مجرد دول مؤثرة في محيطها الجغرافي، بل تمثِّل ركائز أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، وعندما تجلس هذه القوى على طاولة واحدة لمناقشة قضايا المنطقة، فإن الرسالة تتجاوز حدود الملفات المطروحة لتؤكد أن هناك إدراكاً مشتركاً بأن مرحلة إدارة الأزمات بصورة منفردة لم تعد كافية، وأن بناء شبكات تعاون إقليمي واسعة أصبح ضرورة إستراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً.
لقد أثبتت التجارب أن الفراغات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط غالباً ما تتحول إلى ساحات مفتوحة للصراعات، وما حدث في أكثر من دولة عربية خلال السنوات الماضية يؤكد أن انهيار مؤسسات الدولة أو ضعفها لا يبقى شأناً داخلياً، بل سرعان ما تتحول تداعياته إلى تهديدات عابرة للحدود تشمل موجات نزوح، وتنامي الجماعات المتطرفة، وتهريب السلاح، واضطراب طرق التجارة والطاقة، وتراجع فرص التنمية والاستثمار، ومن هنا فإن أهمية اجتماع القاهرة لا تنبع فقط من طبيعة الأطراف المشاركة فيه، بل من طبيعة المرحلة التي تعيشها المنطقة، فالحرب في غزة لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمي، وتستنزف الأمن والاستقرار في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية، كما أن الأزمة السودانية دخلت مرحلة خطيرة تهدد وحدة الدولة ومؤسساتها، فيما لا تزال ليبيا تواجه تحديات الانتقال من الانقسام إلى الاستقرار، فضلاً عن التعقيدات المرتبطة بالملف الإيراني وما يحمله من أبعاد أمنية وسياسية تتجاوز حدود إيران نفسها لتشمل معظم دول المنطقة.
ولعل ما يميز الاجتماع الثلاثي هو أنه جاء في وقت تتزايد فيه القناعة بأن معالجة هذه الملفات لا يمكن أن تتم عبر ردود أفعال مؤقتة أو تحركات منفصلة، بل من خلال رؤية شاملة تتعامل مع جذور الأزمات وتعمل على بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً، فالقضية لم تعد مرتبطة بإطفاء الحرائق المشتعلة هنا أو هناك، وإنما بمنع اندلاع حرائق جديدة في المستقبل، وفي صلب الجهود الرامية إلى مشروع بناء الاستقرار الإقليمي تبرز المملكة باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر نشاطاً خلال السنوات الأخيرة في الدفع نحو سياسات التهدئة وبناء الشراكات، فمنذ إطلاق رؤية المملكة 2030، أصبح واضحاً أن التنمية الاقتصادية الكبرى التي تستهدفها الرياض تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة وآمنة، ولذلك اتجهت السياسة السعودية إلى تبني نهج يقوم على تخفيض التوترات، وتوسيع مساحات الحوار، وتعزيز العلاقات مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار أصبح أحد أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين، وقد انعكس هذا التوجه في سلسلة من المبادرات والتحركات السياسية التي هدفت إلى معالجة الأزمات عبر الوسائل الدبلوماسية والحوار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح الإستراتيجية والأمن القومي، ولم تعد المملكة تنظر إلى الاستقرار باعتباره مصلحة وطنية فقط، بل باعتباره شرطاً ضرورياً لازدهار المنطقة بأكملها.
أما مصر، فهي تدرك أن استقرار الإقليم يرتبط بصورة مباشرة بأمنها القومي، فالقاهرة تتعامل يومياً مع تداعيات أزمات متشابكة تمتد من غزة شرقاً إلى ليبيا غرباً، ومن السودان جنوباً إلى البحر الأحمر شمالاً، لذلك فإن أي مشروع إقليمي يستهدف ترسيخ الاستقرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينجح من دون الدور المصري، كما أن القاهرة تنطلق في ذلك من رؤية ترى أن الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها يمثِّل حجر الأساس لأي استقرار طويل المدى في الشرق الأوسط.
أما تركيا، فقد شهدت علاقتها مع العالم العربي خلال السنوات الأخيرة تحولاً وتطورا ملحوظاً، فبعد سنوات من التوترات والخلافات، اتجهت أنقرة نحو سياسة أكثر براجماتية تقوم على توسيع مساحات التعاون مع الدول العربية الكبرى، وقد أسهمت المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة في دفع هذا المسار إلى الأمام، ليصبح التنسيق مع الرياض والقاهرة جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتحقيق مكاسب متبادلة.
والحقيقة أن التحديات التي تواجه المنطقة اليوم تفرض على هذه القوى الثلاث التعاون في مجال الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي والتكنولوجي والطاقة وسلاسل الإمداد، كما أن التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى الجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية، تجعل من التعاون الإقليمي ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ومن هنا يمكن فهم الاجتماع الثلاثي في القاهرة باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، فبدلاً من الاعتماد الكامل على التوازنات الدولية أو التحالفات الخارجية، تسعى القوى الإقليمية الكبرى إلى بناء قدر أكبر من الاعتماد المتبادل والتنسيق المشترك بما يسمح لها بالتعامل مع الأزمات من داخل المنطقة نفسها.
وفي الملف الفلسطيني تحديداً، تبدو الحاجة إلى هذا التنسيق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فاستمرار الحرب في غزة وما خلفته من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية يجعل من الضروري وجود موقف إقليمي متماسك قادر على دعم الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإحياء المسار السياسي، كما أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإعادة الإعمار أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى أدوار فاعلة من الدول الإقليمية الكبرى، وفي السودان أيضاً تزداد أهمية التنسيق بين الرياض والقاهرة وأنقرة، فاستمرار النزاع يهدد ليس وحدة السودان فقط، بل استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي بأكملها، كما أن تداعيات الأزمة الإنسانية والأمنية يمكن أن تمتد إلى دول الجوار وتؤثِّر على الأمن الإقليمي بصورة أوسع، أما ليبيا، فرغم التراجع النسبي في حدة الصراع، فإن الطريق نحو الاستقرار لا يزال طويلاً ومعقداً، وهنا يمكن أن يشكل التعاون بين القوى الإقليمية المؤثِّرة عاملاً مهماً في دعم الحلول السياسية وتقليص فرص العودة إلى الانقسام والمواجهة، وفيما يتعلَّق بإيران، فإن المتغيِّرات المتسارعة في المنطقة تجعل من الضروري وجود قنوات تنسيق إقليمي قادرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة، فالقضية لا تتعلق بالملف النووي أو بالعلاقات الثنائية فقط، بل بمنظومة الأمن الإقليمي بأكملها، وما يرتبط بها من توازنات ومصالح مشتركة.
وإذا كان البعض ينظر إلى هذا الاجتماع باعتباره خطوة تكتيكية فرضتها الظروف الراهنة، فإن القراءة الأعمق تشير إلى أنه قد يكون جزءاً من مسار إستراتيجي أطول يهدف إلى بناء منظومة تعاون إقليمي جديدة، منظومة لا تقوم على الاستقطاب أو المواجهة، بل على إدارة المصالح المشتركة وتقليل مساحات الصراع وتعزيز فرص التنمية، لقد دفعت شعوب المنطقة ثمناً باهظاً لعقود من الأزمات والحروب، واليوم يبدو أن هناك وعياً متزايداً لدى العديد من العواصم المؤثِّرة بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على استمرار الصراعات المفتوحة أو على انتظار حلول تأتي من الخارج، فالاستقرار الحقيقي لا يُفرض من خارج المنطقة، بل يُبنى من داخلها عبر شراكات متوازنة ورؤية مشتركة للمصالح والتحديات، لهذا السبب يمكن القول إن اجتماع القاهرة يحمل دلالات تتجاوز نتائجه المباشرة، فهو يعكس بداية تشكل مقاربة جديدة للأمن الإقليمي تقوم على التعاون بين القوى الكبرى في المنطقة بدلاً من التنافس بينها، وعلى البحث عن مساحات التوافق بدلاً من توسيع دوائر الخلاف.
وربما لا تظهر نتائج هذا المسار سريعاً، فالأزمات المتراكمة في الشرق الأوسط أعقد من أن تُحل باجتماع واحد أو مبادرة واحدة، لكن الأكيد أن بناء أي نظام إقليمي أكثر استقراراً يبدأ دائماً بخطوات سياسية جادة، وبإرادة مشتركة تدرك أن المستقبل الآمن والمزدهر لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التعاون والتنسيق والشراكة.