مرفت بخاري
يمضي الإنسان في بعض مراحل حياته وهو يظن أن النجاة تكمن في التمسك، التمسك بشخص رحل، أو بحلم تبدد، أو بذكرى لم تعد موجودة إلا في عقله، فيظل يعد خسائره كل يوم، ويحصي ما فقد، ويسترجع ما انكسر، ويفتش في زوايا الماضي عن إجابة لسؤال لن يغير شيئًا.
لكن الحقيقة التي لا ندركها إلا بعد زمن أن التخطي ليس نسيانًا، وليس جحودًا للمشاعر، وليس هروبًا من الذكريات، بل هو أن نمنح أنفسنا فرصة جديدة للحياة، وأن نتوقف عن الوقوف على أطلال ما انتهى، وأن نلتفت إلى الطريق الذي ما زال ممتدًا أمامنا.
كثيرًا ما نظن أن خساراتنا كانت نهاية الحكاية، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت بداية فصل أكثر هدوءًا ونضجًا، فليس كل باب أغلق كان عقوبة، وليس كل فراق كان شرًا، فبعض الأبواب تغلق رحمة بنا، وبعض الأشخاص يرحلون ليتركوا لنا مساحة نتنفس فيها، وبعض الأمنيات لا تتحقق لأن الله يدخر لنا ما هو أصلح منها.
وحين يبدأ الإنسان رحلة التخطي تتغير الأسئلة داخله، فبدلًا من أن يسأل ماذا فقدت، يبدأ بالسؤال عما بقي له، وهنا يبدأ التحول الحقيقي، فيرى النعم التي كانت مختبئة خلف ستار الألم، ويرى أهله وصحته وكرامته وأحلامه المؤجلة، ويرى نفسه التي أهملها طويلًا وهو يطارد ما رحل عنه.
لهذا استوقفتني فكرة عميقة تقول: حين رأيت التخطي نجاة، توقفت عن عد ما فقدت، وبدأت أعد ما بقي، ففي تلك اللحظة يتحول الإنسان من حارس للذكريات إلى صانع للمستقبل، ومن أسير للخسارة إلى باحث عن الفرص، ومن منشغل بما أخذه القدر منه إلى ممتن لما أبقاه الله بين يديه.
عندما نتوقف عن إحصاء الغائبين، ونبدأ في تأمل الحاضرين، وعندما نتوقف عن النظر إلى الأبواب المغلقة، ونلتفت إلى النوافذ المفتوحة، ندرك أن الحياة لم تكن قاسية كما ظننا، بل كانت تعلمنا أن بعض الأشياء لا ترحل لتؤذينا، وإنما ترحل لتنقذنا من الاستنزاف والتعلق والانتظار.
إن أجمل ما يمنحه التخطي للإنسان أنه يعيده إلى نفسه، ويعلمه أن الماضي لا يمكن تغييره، لكن المستقبل ما زال صفحة بيضاء تستحق أن تكتب، وأن النجاة ليست في استعادة ما رحل، بل في المحافظة على ما بقي، فبعض النهايات التي أبكتنا طويلًا لم تكن خسارة كما تصورنا، بل كانت نجاة تأخر فهمها حتى نضجت أرواحنا بما يكفي لإدراكها. وثمة مفارقة عجيبة يعيشها الإنسان في محطات التحول والتخطي، فهو لا يحمل عبء الماضي وحده، بل يحمل معه خوفًا صامتًا من المستقبل، فيقف بين ألمَين متقابلين، ألم ما مضى، وألم ما هو آت.
فألم الماضي واضح الملامح، نعرف سببه ونتذكر تفاصيله، ونستطيع أن نشير إليه بأصابعنا ونقول هنا كانت الخسارة، وهنا حدث الانكسار، وهنا غادر ما أحببناه. أما ألم المستقبل فوجهه مجهول، لا نراه ولا نعرف حقيقته، لكنه يستنزفنا بالخوف والاحتمالات، فنرهق أنفسنا بمعارك لم تقع بعد، ونحزن على أحداث لم تحدث أصلًا. ولهذا كان الإنسان أحيانًا أسير ذكرى انتهت، وأسير خوف لم يولد بعد. والحكمة ليست في إنكار أحد الألمين، بل في إعادة وزن كل منهما بميزان العقل واليقين، فالماضي انتهى ولم يعد يملك القدرة على تغيير حاضرنا إلا بالقدر الذي نسمح له به، والمستقبل لم يأت بعد ولم يمنحنا سببًا حقيقيًا لكل هذا القلق.
وحين يختل الميزان، يصبح الماضي سجنًا، ويصبح المستقبل تهديدًا، وتضيع اللحظة الوحيدة التي نملكها فعلًا، وهي الحاضر.
إن النضج الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن ما مضى يستحق التعلم لا الإقامة فيه، وأن ما هو آتٍ يستحق الاستعداد له لا الخوف منه، وعندها فقط تتوازن الكفة، فلا يجذبنا الماضي إلى الخلف، ولا يدفعنا المستقبل إلى القلق، بل نمضي بخطى أكثر هدوءًا وثقة نحو الحياة.
لقد كان الماضي يؤلمني لأنه رحل، وكان المستقبل يخيفني لأنه لم يصل بعد، وبين الراحل والمجهول كدت أفقد الحاضر، الشيء الوحيد الذي كان بين يدي.
حتى أيقنت أن التغيير ليس عدوًا للحياة، بل نبضها المتجدد، وأن ما يغادر يترك مكانًا لشيء آخر، وأن ما ينتهي يفتح بابًا لبداية جديدة، فهدأ قلبي، وخف حملي، ومضيت أرافق الأيام بدل أن أقاومها.
كونوا بخير.