محمد عبدالحميد السطم
ارتبطت سوريا لسنوات طويلة في النقاشات الإقليمية والدولية بملفات المساعدات الإنسانية واللاجئين والإغاثة الطارئة، حتى باتت هذه العناوين تشكل المدخل الرئيس لفهم المشكلة السورية وتطوراتها، غير أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة بدأت تدفع باتجاه مقاربة مختلفة، تتقدم فيها قضايا السيادة والاستقرار واستعادة دور الدولة إلى صدارة الخطاب السياسي.
وفي هذا السياق، تكتسب الكلمة التي ألقتها المملكة العربية السعودية نيابة عن المجموعة العربية أمام مجلس الأمن أهمية خاصة، ليس فقط لما تضمنته من مواقف داعمة لسوريا، بل لما عكسته من تحول في الأولويات العربية ذاتها. فالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، ودعم جهود بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، والمطالبة بشطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إلى جانب إدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، جميعها مؤشرات على خطاب عربي يركز بصورة متزايدة على قضايا الدولة والسيادة، بعد سنوات هيمنت فيها الاعتبارات الإنسانية على المشهد السوري.
عند قراءة الكلمة التي ألقتها المملكة العربية السعودية نيابة عن المجموعة العربية أمام مجلس الأمن، يبرز مفهوم السيادة بوصفه الخيط الناظم لمعظم مضامينها. فالتأكيد على وحدة الأراضي السورية، ودعم جهود الدولة لبسط سلطتها على كامل أراضيها، وإدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والدعوة إلى الالتزام باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، جميعها مواقف تدور حول فكرة مركزية تتمثل في تعزيز سلطة الدولة وحماية سيادتها.
ويعكس هذا التركيز تحولًا ملحوظًا في طريقة تناول الملف السوري عربيًا، فبعد سنوات تصدر فيها البعد الإنساني واجهة النقاشات المتعلقة بسوريا، باتت قضايا الدولة والسيادة والاستقرار تحظى بحضور أكبر في الخطاب العربي، بوصفها عناصر أساسية في أي مسار يهدف إلى تجاوز آثار الأزمة.
كما أن دعم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب الأمني، إذ يرتبط باستعادة الدولة لوظائفها الطبيعية وقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية ضمن إطار السيادة الوطنية. وهو ما يفسر تلاقي عدد من القضايا التي بدت للوهلة الأولى متفرقة، مثل مكافحة الإرهاب، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية، ودعم وحدة الأراضي السورية، تحت عنوان واحد يتمثل في تعزيز مكانة الدولة وترسيخ حضورها على كامل الجغرافيا السورية.
من بين الرسائل التي حملتها الكلمة العربية في مجلس الأمن، برزت الدعوة إلى شطب اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بوصفها واحدة من أكثر النقاط دلالة على طبيعة المرحلة الحالية. فهذه المسألة لا ترتبط فقط بإجراء قانوني، بل تنعكس بصورة مباشرة على قدرة سوريا على الانخراط بصورة أوسع في محيطها الإقليمي والدولي.
فعلى مدى سنوات، أسهمت العقوبات والقيود المرتبطة بالعزلة السياسية في تعقيد مسارات التعافي الاقتصادي وإبطاء فرص الانفتاح على المؤسسات المالية والاستثمارية الدولية، ومن هذا المنطلق، فإن طرح هذا الملف في مجلس الأمن يعكس إدراكًا عربيًا بأن استقرار سوريا لا يرتبط بالاعتبارات الأمنية والسياسية وحدها، بل يتأثر أيضًا بمدى قدرتها على استعادة حضورها الطبيعي داخل المنظومة الدولية.
كما أن توقيت إثارة هذا المطلب يحمل دلالات مهمة، في ظل سعي الحكومة السورية إلى إدارة مرحلة انتقالية تواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة. فكلما ازدادت قدرة سوريا على توسيع هامش حركتها الخارجية، ازدادت فرصها في جذب الدعم والاستثمارات وتطوير علاقاتها مع المؤسسات الدولية، وهو ما يفسر الاهتمام العربي المتزايد بإزالة العوائق التي ما تزال تعرقل هذا المسار.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المطالبة العربية بوصفها جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لاستقرار سوريا وتعافيها، عبر معالجة بعض الملفات التي ما تزال تؤثر في موقعها ضمن النظام الدولي، وتحد من قدرتها على الاستفادة الكاملة من التحولات السياسية التي شهدتها المرحلة الماضية.
كما وتكتسب الكلمة التي ألقيت باسم المجموعة العربية أهمية إضافية لكونها صدرت عن المملكة العربية السعودية، التي لعبت خلال الفترة الماضية دورًا محوريًا في الدفع نحو إعادة تفعيل الحضور العربي في الملف السوري.
فالموقف الذي عُرض أمام مجلس الأمن لا يمكن فصله عن مسار أوسع شهد سلسلة من التحركات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي هدفت إلى دعم استقرار سوريا وتعزيز انخراطها في محيطها العربي.
وفي هذا السياق، تبدو الأولويات التي تضمنتها الكلمة منسجمة مع التوجه الذي تبنته الرياض منذ سنوات، والقائم على دعم وحدة الدولة السورية، وتعزيز الاستقرار، وتهيئة الظروف الملائمة لنجاح المرحلة الانتقالية، كما تعكس حرصًا على أن يكون الحضور العربي جزءًا من معالجة التحديات التي تواجه سوريا، بدلًا من ترك هذه الملفات رهينة للتجاذبات الدولية والإقليمية.
ولعل ما يلفت الانتباه أن الموقف العربي لم يأتِ هذه المرة في سياق رد فعل على تطور طارئ، بل ضمن رؤية أكثر تماسكًا تجاه مستقبل سوريا وموقعها في محيطها العربي. وهو ما يمنح التحركات السياسية العربية، وفي مقدمتها السعودية، بعدًا يتجاوز إدارة الملفات الآنية، نحو الإسهام في صياغة بيئة أكثر استقرارًا تسمح لسوريا باستعادة دورها وحضورها على المستويين الإقليمي والدولي.