خالد بن عبدالرحمن الذييب
احتكرت مدينة ملبورن الأسترالية صدارة مؤشر المدن القابلة للعيش الصادر عن مجلة الإيكونومست لسبعة أعوام متتالية (2011 - 2017)، وظلت الأكفأ ثباتاً ضمن الخمسة الأوائل لربع قرن، قبل أن تتراجع للمركز الثامن عام 2021 بفعل إغلاقات الجائحة الصارمة. وأعتقد ومن خلال معايشة للمدينة في الفترة من2009 - 2011 أن سر هذا الاستقرار لا يكمن في جمال «المشهد الأخير» للمدينة، بل في سيناريو تشريعي صارم يحترم «وظيفة» كل عنصر حضري من بدايته لنهايته لكي يخدم بقية العناصر.
تتميز ملبورن تخطيطياً بنموذج «متعدد الأقطاب»، حيث تتوزع الأنشطة على مراكز متنوعة، تربطها محاور شريانية وظيفتها الأساسية «نقل الحركة»، قلما تجدها مشوهة بتعدد الاستخدامات التي تخنق التدفق المروري، واللافت هو غياب فكرة «المعاملة بالمثل»، إذ تتبنى المدينة مفهوماً حازماً أسمّيه «القطع الحضري»، في هذا النموذج لا يُنظر إلى الطريق كعنصر ربط يدمج الضفتين في هوية واحدة، بل يُوظَّف كـ«جدار تنظيمي فاصل وقاطع بين بيئتين، فترى طريقاً بعرض 40 متراً يشكِّل حداً فاصلاً نهائياً جهته الشرقية تخضع لنظام أبراج وسط المدينة الكثيفة، بينما جهته الغربية المقابلة تلتزم بنظام بناء منخفض يتبع حيها السكني تماماً، هذا القطع الحاسم يكسر المغالطة التخطيطية الشائعة التي تحتم تعميم الاستخدام التجاري لمجرد امتداد الشارع.
هذا الاحترام الصارم للتشريع، هو الذي وفَّر الأرضية الخصبة لنجاح المدينة؛ فمن خلاله نجحت خطتها في أنسنة مركز المدينة وتحويل الممرات الضيقة من مساحات مهملة إلى بيئة حيوية للمشاة والمقاهي. كما حمى هذا الالتزام كفاءة شبكة الترام المميزة عالمياً، والتي وُظِّفت كأداة عدالة اجتماعية عبر إتاحة التنقّل عبر وسائل نقل متعددة في قلب المدينة.
أخيراً...
إن تجربة ملبورن تثبت أن استدامة المدن لا تصنعها المصادفات، بل من وعي تخطيطي يؤمن والتشريعات.
ما بعد أخيراً...
القطع الحضري يمثِّل حماية وظيفة المكان لتكون الضامن الأول لجودة الحياة، وحماية الإنسان.