سارة الشهري
اختلف الإعلان عمَّا كان في الماضي، مجرد مساحة في صحيفة، أو لوحة على جانب الطريق، أو دقيقة تلفزيونية تمر بين البرامج. لقد تطور ليصبح علماً قائماً على دراسة السلوك البشري وتحليل البيانات واستثمار المشاعر، حتى بات قادراً على الوصول إلى المستهلك في اللحظة المناسبة وبالرسالة المناسبة. واليوم، ومع الثورة الرقمية التي نعيشها، لم يعد الهدف من الإعلان أن يلفت الانتباه فقط، بل أن يقود المستهلك مباشرة إلى اتخاذ قرار الشراء.
ومع انطلاق مونديال 2026، تظهر هذه القوة بأوضح صورها. فبينما تتجه أنظار العالم إلى الملاعب لمتابعة المنافسة بين المنتخبات، تخوض الشركات والعلامات التجارية منافسة لا تقل شراسة خارج المستطيل الأخضر. فالمونديال لم يعد مجرد حدث رياضي عالمي، بل أصبح موسماً اقتصادياً وتسويقياً ضخماً تنتظره الشركات كما تنتظره الجماهير.
في السابق كانت الشركات تعتمد على الإعلانات التلفزيونية التقليدية للوصول إلى الجمهور، أما اليوم فقد انتقلت المعركة إلى المنصات الرقمية. فالجمهور لم يعد يجلس أمام شاشة واحدة، بل يتنقَّل بين الهاتف الذكي ومنصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة والبث المباشر. ولهذا أصبحت الشركات تستثمر بكثافة في المحتوى الرقمي، لأنها تدرك أن المستهلك الحديث يتفاعل ويشتري من المكان الذي يقضي فيه معظم وقته.
تكمن قوة الإعلان خلال البطولات الكبرى في قدرته على استثمار المشاعر الجماعية. فالمشجع الذي يعيش لحظة فرح بعد فوز منتخب بلاده أو انبهاراً بأداء نجم عالمي يكون أكثر استعداداً لتلقي الرسائل التسويقية المرتبطة بتلك المشاعر. ولهذا تحرص العلامات التجارية على ربط نفسها بلحظات الحماس والانتصار، لأن المستهلك غالباً لا يتذكر تفاصيل الإعلان بقدر ما يتذكر الشعور الذي ارتبط به.
ولعل أبرز ما يميز الإعلان الرقمي اليوم هو اختصار رحلة الشراء. ففي الماضي كان المستهلك يشاهد الإعلان ثم يبحث عن المنتج لاحقاً، أما الآن فيمكنه الانتقال من مشاهدة المحتوى إلى إتمام عملية الشراء خلال ثوانٍ معدودة. ضغطة واحدة على رابط أو إعلان تفاعلي قد تكون كافية لتحويل المشاهد إلى عميل فعلي. ولذلك لم تعد الشركات تقيس نجاح حملاتها بعدد المشاهدات فقط، بل بعدد المبيعات التي تحققها بالفعل.
كما أن الذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً لهذه الصناعة. فبدلاً من توجيه رسالة واحدة إلى الجميع، أصبحت الأنظمة قادرة على تخصيص الإعلانات وفق اهتمامات كل فرد وسلوكه الشرائي وموقعه الجغرافي. بمعنى أن مشجعاً لكرة القدم في جدة قد يرى إعلاناً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي يراه مشجع آخر في نيويورك أو مدريد، رغم متابعتهما للحدث نفسه. وهذا التخصيص يزيد من فعالية الإعلان ويضاعف فرص التأثير والشراء.
في المقابل، أصبحت المنافسة الحقيقية اليوم على انتباه الجمهور. فخلال المونديال يتعرض المشاهد لعشرات الرسائل التسويقية يومياً، ما يدفع الشركات إلى البحث عن أفكار أكثر إبداعاً وتأثيراً. ولم تعد الرعاية الرسمية وحدها كافية، بل أصبح المحتوى الذكي والقصة المؤثّرة والتفاعل المباشر مع الجمهور عوامل حاسمة في نجاح أي حملة.
ختاماً نقول إن كأس العالم لم يعد بطولة لكرة القدم فقط، بل بطولة عالمية للإعلان والتسويق أيضاً. وبينما يحتفل المشجعون بالأهداف التي تُسجَّل داخل الملاعب، تحتفل الشركات بالأهداف التي تحققها في الأسواق. وفي عصر المنصات الرقمية، قد يكون الهدف الأكثر قيمة ليس ذلك الذي يهز الشباك، بل ذلك الذي ينجح في الوصول إلى عقل المستهلك وقلبه ومحفظته في الوقت نفسه.