نجلاء العتيبي
في عام 2019 تملَّكتني رغبة عميقة لزيارة الجزء الشمالي الغربي من وطني، ذلك الامتداد الذي طالما سمعتُ عنه حتى شعرتُ أنني أعرفه قبل أن أراه.
رتَّبنا الرحلة مع مرشد سياحي جمع بين الخبرة الواسعة ورُقيّ الأخلاق، فانطلقنا في تجربة ما زالت تحتفظ بمكانتها في الذاكرة رغم قِصر أيامها، وكانت الإقامة في بوابة الشمال، تبوك؛ المدينة التي أسرتْني بهدوئها، واتساع فضائها، وحُسن تنظيم طُرُقها، حتى يشعر من يحلُّ بها بأُلفةٍ لا تحتاج إلى تفسير، بدا كل شيء فيها منسجمًا على نحو يبعث الطمأنينة، حتى خُيّل إليَّ أن السكينة جزءٌ من هوية المكان.
لم يُمهلني جدول الرحلة المزدحم فرصة التوغُّل في تفاصيلها واكتشاف معالمها كما تمنَّيت، غير أن الانطباع الأول كان كافيًا ليزرع في نفسي رغبة صادقة بالعودة إليها، فبعض المدن يكفيها لقاء واحد لتحتل مكانًا دائمًا في الذاكرة.
غادرنا تبوك متجهين إلى البدع، تلك المحافظة التي تجمع بين عمق التاريخ وهدوء الطبيعة، وهناك كانت محطتنا عند بئر موسى، حيث يُضفي المكان على زائره شعورًا خاصًّا بعراقة تمتدُّ عبر الأزمنة، ويمنح التأمُّل مساحة أوسع من الكلمات.
ومن البدع واصلنا الطريق إلى شرما، حيث يمتدُّ البحر بلونٍ يأسر البصر، ويمنح الأُفُق بُعدًا لا تحدُّه العين، ثم وصلنا إلى رأس الشيخ حميد، فاستقبلنا ساحل هادئ، ومياه صافية، ورمال ذهبية تمنح المكان سحرًا خاصًّا، ويحتضن الشاطئ حطام الطائرة المائية الشهيرة، التي سقطت واستقرَّت على ساحله منذ عام 1960، ثم تحوَّلت مع مرور الزمن إلى معلم سياحي بارز يستقطب الزائرين، ويمنح الموقع حضورًا تاريخيًّا مميزًا، واختتمنا رحلتنا في طيب اسم، التي أكَّدت لي أن بعض الأماكن لا يمكن أن يفيها الوصف حقَّها مهما بلغت دقته.
في كل محطة كان مرشدنا، وهو أحد أبناء الوطن، يروي تاريخ الأرض، وإمكاناتها، وما ينتظرها من مستقبل واعد، كنا نُصغي إليه بإعجاب وفخر؛ لأن حديثه لم يكن مجرد سرد للمعلومات، وإنما شهادة محب يعرف قيمة المكان، ويؤمن بما يحمله من آفاقٍ، شعرت حينها أن الانتماء الحقيقي يظهر في الطريقة التي يُقدّم بها الإنسان وطنه للآخرين.
كانت تلك الزيارة في البدايات الأُولى لمشروع نيوم، وفي مرحلةٍ كانت فيها مشروعات البحر الأحمر ترسم ملامح مستقبل جديد يمتدُّ على طول الساحل ليشمل أملج وحقل وشرما وغيرها من الكنوز الطبيعية التي حباها الله هذا التنوُّع الفريد، إن الرؤية لا تتعلَّق بمدينة واحدة، وإنما بمنظومة متكاملة تعيد اكتشاف الساحل السعودي، وتبرز ثراءه الطبيعي والإنساني للعالم.
لا أُخفيكم سرًّا أنني عُدتُ من الرحلة كطفل حزين تمنَّى لو طال به المقام هناك؛ وأنا أحمل أيضًا قدرًا كبيرًا من الامتنان، وحمدنا الله أن سخَّر لهذه البلاد قيادة رشيدة تُؤمن بأن الاستثمار في المكان استثمارٌ في الإنسان أيضًا، فما رأيتُهُ آنذاك لم يكن جمالًا بصريًّا فحسب، وإنما إرادة واضحة تتقدَّم بخُطًى واثقةٍ نحو مستقبل يستحقُّه هذا الوطن.
ومع مرور سبع سنوات، أُتابع ما تحقَّق فأرى حجم التطوُّر والتميُّز الذي شهدته هذه المشروعات، ما كان في بداياته أصبح واقعًا نابضًا بالحياة، وما كان حُلمًا يلوح في الأفق تحوَّل إلى منجزات تُؤكّد أن الرؤى العظيمة تنمو بالصبر والعمل والإتقان.
واليوم يزداد شوقي إلى العودة أكثَرَ من أي وقتٍ مضى؛ أريد أن أزور المكان بعين تتذكَّر البدايات، وتستوعب حجم التحوُّل، وأن أكتب عنه من قلبه بعدما اكتملت ملامح كثيرة من مشروعه الكبير.
فما زلت أؤمن أن بعض الرحلات لا تنتهي عند العودة، وإنما تظلُّ مفتوحة في الذاكرة، تستدعي صاحبها كلما مرَّ الزمن، وتخبره أن في هذا الوطن جمالًا يتجدَّد مع كل خطوةٍ، وأن الأفق فيه يتسع بقدر الطموح الذي يصنع مستقبله.
ضـــوء
«السعودية تتطوَّر وفقًا لمقوماتها الاقتصادية والثقافية وشعبها وتاريخها، ولا نريد أن نقدم مشاريع منسوخة بل نريد أن نضيف شيئًا جديدًا للعالم».
- ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-