إبراهيم بن يوسف المالك
في برامج التحول الوطني الكبرى في العالم، كثيرًا ما يُختزل النقاش حول المشاريع في لغة فنية باردة: نموذج تسليم، جدول زمني، ميزانية، توزيع مخاطر. تُستدعى مصطلحات مثل EPC (الهندسة والتوريد والإنشاء) وPMCM (إدارة المشروع وإدارة التشييد) وEPCM (الهندسة والتوريد وإدارة التشييد) وكأنها مفاتيح سحرية للنجاح، ويُفترض أن اختيار النموذج الصحيح كفيل بتقليل التعقيد وضمان النتائج. غير أن هذا المنطق، على شيوعه، يغفل حقيقة جوهرية: نماذج تسليم المشاريع لا تكشف فقط كيف تُدار المشاريع، بل تكشف قبل ذلك كيف يفكر القادة عندما يُوضعون أمام عدم اليقين، وكيف يمارسون الحكم التنفيذي في لحظات الضغط والتحول.
عند المستويات التنفيذية العليا، لا يكون اختيار نموذج التسليم قرارًا تقنيًا محضًا، بل يصبح تعبيرًا غير مباشر عن موقف القيادة من الغموض والمسؤولية والسيطرة. حين يختار قائد ما نموذج EPC كاملًا، فإن القرار لا يكون دائمًا بدافع الكفاءة أو الرغبة في السرعة فقط، بل قد يعكس ميلًا أعمق نحو اليقين التعاقدي، ورغبة في إحاطة المشروع بسياج قانوني صلب يحد من المفاجآت. في البيئات المستقرة، حيث المتغيرات محدودة، قد يؤدي هذا المنطق غرضه. لكن في بيئات التحول الوطني، حيث تتبدل السياسات، وتتغير الأولويات، وتتداخل الجهات، ويتحرك السياق السياسي والاقتصادي بوتيرة غير متوقعة، يصبح هذا الخيار ذاته مصدر احتكاك.
برامج التحول لا تتحرك في خط مستقيم. هي بطبيعتها ديناميكية، تتفاعل مع الواقع، وتعيد تعريف أهدافها أثناء التنفيذ. وعندما تُدار هذه البرامج بعقود صُممت على افتراض الثبات، يظهر التوتر بين النص والواقع. العقد، بطبيعته، يقاوم التغيير، بينما التحول لا يعيش إلا بالتغيير. ومع أول منعطف حقيقي، لا يتجلى الخلل في التنفيذ بقدر ما يتجلى في الافتراضات التي بُني عليها القرار من الأساس.
في المقابل، يُساء فهم نموذج PMCM في كثير من الأحيان، ويُنظر إليه على أنه خيار أقل حسمًا أو علامة تردد قيادي، بينما الحقيقة أنه يتطلب مستوى أعلى من النضج في الحكم التنفيذي. هذا النموذج لا يعد القائد باليقين، بل يضعه في قلب التعقيد، ويفترض أن يبقى المالك حاضرًا في القرار، متحملًا لمسؤولية التكيف والتعديل. اختيار PMCM هو اعتراف صريح بأن الغموض لا يمكن الاستعانة بمصادر خارجية لإلغائه، وأن السيطرة الحقيقية لا تتحقق بالبعد، بل بالقرب، ولا تتحقق بالوثيقة، بل بالممارسة.
غير أن المفارقة المؤسسية تظهر عندما تعتمد بعض الجهات نموذج PMCM شكليًا، دون أن تمنحه سلطة حقيقية. تُنشأ هياكل تقارير، ولوحات مؤشرات، وسلاسل استشارية طويلة، بينما تُحجب صلاحيات القرار أو تُشتت بين مستويات متعددة. والنتيجة ليست حوكمة فعالة، بل وهم حوكمة، حيث تُدار العمليات دون أن يُمارس الحكم، ويُراقب الأداء دون أن تُحسم الخيارات في لحظاتها الحرجة. في هذه الحالات، لا يكون الفشل ناتجًا عن ضعف النموذج، بل عن تردد القيادة في تحمّل تبعاته.
كثيرًا ما يُسوَّق نموذج EPC بوصفه أداة لنقل المخاطر، لكن التجربة تُظهر أن بعض حالات الفشل لا تكون تعاقدية أصلًا، بل معرفية. المشكلة لا تكمن في بنود العقد، بل في الافتراض الذهني الذي يرى أن عدم اليقين يمكن تحييده بالكامل، وأن الحكم التنفيذي يمكن استبداله بهيكل صارم. وعندما يأتي التغيير، وهو أمر لا مفر منه في مشاريع التحول، يقاوم العقد، ويتصلب النظام، وتبدأ الكلفة الحقيقية في الظهور، لا في الأرقام فقط، بل في الزمن والثقة والفرص التي لم تُستثمر.
في جوهر الأمر، لا يتحدد نجاح برامج التحول الوطني بنموذج تسليم واحد، ولا بوصفة جاهزة يمكن تعميمها. ما يحدد النجاح هو استعداد القادة لممارسة الحكم عندما لا يكون أي نموذج كافيًا بمفرده. القادة الناضجون لا يسألون: أي نموذج أكثر أمانًا؟ بل يسألون: أين يجب أن يبقى الحكم إنسانيًا، وأين لا يجوز تفويض القرار للعقد أو للإجراء؟ يدركون أن العقود تنظم المخاطر، لكنها لا تفكر، وأن النماذج تضبط المسارات، لكنها لا تتخذ المواقف.
التحول الوطني، في جوهره، ليس تمرينًا تعاقديًا، بل اختبارًا مستمرًا للحكم التنفيذي. لا يُقاس بنجاح التوقيع على الاتفاقيات، بل بالقدرة على الوقوف خلف القرار عندما يتغير المستقبل، وعلى التعديل دون فقدان الاتجاه، وعلى تحمّل المسؤولية دون الاحتماء بالهياكل. فالقابلية الحقيقية للتنبؤ لا تعني معرفة ما سيحدث، بل تعني معرفة من سيتحمل القرار عندما يحدث، وكيف سيتصرف حين لا يكون النص كافيًا، ولا النموذج مكتملًا.