د.عبدالله الفايز
تمتلك المملكة العربية السعودية ثروة سياحية وطبيعية متنوعة تجعلها من أكثر دول المنطقة قدرة على بناء صناعة سياحية متكاملة منافسة ومستدامة. فالتنوع الجغرافي الذي تتميز به المملكة يمنحها ميزة تنافسية استثنائية؛ إذ تمتد الصحاري الشاسعة في المناطق الوسطى، بينما تحتضن المناطق الجنوبية في عسير وجازان وجبل فيفا جبالاً خضراء تعانق السحب ومدرجات زراعية وأودية وشلالات وندى وأجواء معتدلة طوال فترات من السنة، وهي مقومات طبيعية لا تقل جمالاً عن العديد من الوجهات العالمية التي يقصدها السعوديون سنوياً مثل سويسرا والنمسا خلال الإجازات الصيفية. كما تتميز المناطق الشمالية بأجواء معتدلة وجبال وتضاريس متنوعة، إضافة إلى السواحل الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي التي توفر إمكانات كبيرة للسياحة البحرية والترفيهية. وقد شهد قطاع السياحة في المملكة خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في ظل رؤية المملكة 2030، حيث أطلقت الدولة عدداً من المشاريع السياحية الكبرى والاستثمارات الضخمة، خصوصاً على ساحل البحر الأحمر وفي عدد من الوجهات الواعدة. ومع أهمية هذه المشاريع الإستراتيجية ودورها في جذب السياحة الدولية، إلا أن نجاح التنمية السياحية الشاملة يتطلب أيضاً الاهتمام بالوجهات المحلية الأخرى من خلال مشاريع متوسطة وصغيرة الحجم تنتشر في مختلف المناطق، بما يضمن الاستفادة من الميزات النسبية لكل منطقة وتحويلها إلى منتجات سياحية جاذبة للمواطنين والمقيمين. والسياح الأجانب.
وتبرز هنا قضية اقتصادية مهمة تتمثل أهمية الاستفادة من حجم الإنفاق السياحي الخارجي للسعوديين والمقيمين، والذي يقدر بعشرات المليارات من الريالات سنوياً. ويذهب جزء كبير من هذا الإنفاق إلى دول تتمتع بمقومات طبيعية ومناخية مشابهة لما هو متوفر في المملكة، خاصة في المناطق الجبلية والساحلية. وهذا يعني أن هناك فرصة اقتصادية كبيرة لإعادة توجيه جزء كبير من هذه الأموال وتدويرها في الداخل، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني ويخلق فرص عمل جديدة ويسهم في تنمية المناطق المختلفة. ويحد من تعرض السعوديين للجرائم أو إساءتهم لسمعتنا وتبقى مشاكلنا في بلدنا. إن تحقيق هذا التحول يتطلب إستراتيجية متدرجة تبدأ بإنشاء مشاريع سياحية ومنتجعات نوعية في عدد من المناطق المختارة وفقاً لمزاياها الطبيعية والتراثية. ويمكن أن تشمل المرحلة الأولى مناطق رئيسة هي عسير وجازان وجبل فيفا، والطائف والباحة. والتوسع في مشاريع العلا وحائل. وتقوم الفكرة على إنشاء مجمعات سياحية متكاملة في كل منطقة تضم عدداً من الفنادق المتوسطة وفوق المتوسطة، إلى جانب مناطق ترفيهية وقرى تراثية وأسواق شعبية ومطاعم ومقاهٍ تعكس التراث والهوية المحلية لكل منطقة. ومن شأن هذه المشاريع أن تخلق تجربة سياحية متكاملة تشجع الأسر والزوار على قضاء إجازاتهم داخل المملكة بدلاً من التوجه إلى الخارج.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة إنشاء مشروع سياحي متكامل في كل منطقة قد تصل إلى نحو 800 مليون ريال، تشمل الفنادق والمرافق الترفيهية والبنية التحتية والخدمات المساندة. وعليه فإن إجمالي الاستثمار المطلوب لتنفيذ ثمانية مشاريع نموذجية في المناطق المستهدفة يقدر بنحو 6.4 مليار ريال. ورغم أن هذا الرقم يبدو كبيراً، إلا أنه يظل محدوداً مقارنة بحجم الإنفاق السياحي الخارجي الذي يغادر الاقتصاد الوطني سنوياً. ولضمان نجاح هذه المبادرة، يمكن للدولة أن تقدم دعماً مرحلياً للمشروعات السياحية الناشئة، إلى جانب إطلاق برامج تحفيزية لشركات الطيران الوطنية لتخفيض أسعار التذاكر الداخلية إلى الوجهات السياحية المستهدفة، مع تعويض جزء من التكلفة خلال السنوات الأولى للمشروع. كما أن الحملات التسويقية الوطنية سيكون لها دور محوري في تغيير الصورة الذهنية لدى بعض المسافرين وإبراز ما تمتلكه المملكة من مقومات طبيعية وسياحية تضاهي العديد من الوجهات الخارجية. فالكثير من المواطنين لا يدركون حجم التنوع البيئي والمناخي الموجود داخل المملكة، الأمر الذي يستدعي استثماراً أكبر في التسويق والتعريف بالوجهات المحلية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإذا افترضنا أن الإنفاق السياحي الخارجي يبلغ نحو 40 مليار ريال سنوياً، فإن نجاح هذه الخطة في استقطاب 20 % فقط من هذا الإنفاق يعني ضخ ما يقارب 8 مليارات ريال سنوياً في الاقتصاد المحلي. كما أن القطاع السياحي يتميز بوجود أثر اقتصادي مضاعف، حيث تستفيد منه قطاعات النقل والتجزئة والمطاعم والاتصالات والخدمات المختلفة، مما قد يرفع الأثر الاقتصادي الإجمالي إلى أكثر من 14 مليار ريال سنوياً. وبذلك يمكن استرداد تكلفة الاستثمارات الأولية خلال فترة تتراوح بين خمس وثماني سنوات، وهي فترة تعد مجدية اقتصادياً لمشاريع البنية التحتية السياحية. ولا يقتصر أثر هذه المبادرة على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الاجتماعية والتنموية. فالمشاريع السياحية المقترحة يمكن أن توفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة للشباب السعودي في مجالات الضيافة والإدارة والتسويق والترفيه والحرف التقليدية والنقل والخدمات. كما أنها ستسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي للمناطق المستهدفة وتعزيز مشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في النشاط السياحي، إضافة إلى المحافظة على التراث الثقافي وإبرازه للأجيال القادمة.
إن نجاح المملكة في تحويل جزء من الإنفاق السياحي الخارجي إلى الداخل لن يؤدي فقط إلى تقليل خروج الأموال إلى الخارج، بل سيساعد أيضاً على بناء صناعة سياحية وطنية قوية ومستدامة قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً. ومع استمرار تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات وتوسيع الاستثمارات السياحية، يمكن للمملكة أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية في المنطقة، ليس فقط لمواطنيها ومقيميها، بل أيضاً لملايين السياح القادمين من مختلف دول العالم، وهو ما يتوافق بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز جودة الحياة وخلق فرص العمل للمواطنين.