د. محمد بن إبراهيم الملحم
تداول الناس قريباً وفي أواخر أسابيع هذه السنة الدراسية مقالات ومنشورات متنوعة حول التعليم كلها تقريباً تتساءل: «ما الذي تغير؟» وتشير إلى أنه مع وجود برامج وقرارات فلا يزال تعلّم الطالب هو نفسه! وهذا الطرح متكرر ويكشف عن قلق عام حول التعليم، وهو شعور طبيعي ووطني في نفس الوقت، وهنا أحاول أن أجلي لمن يكتبون مثل هذه المقالات حقائق بعض الأمور حول مشكلات التعليم لدينا، والتي اختزلها بعضهم في قرارات الوزارة أو برامجها، وعلى الرغم أن هذه البرامج والمشاريع كثيرٌ منها له فوائد نافعة ومردود في جوانب تخص تلك البرامج إلا أن عدم تحقيقها طموحها الأساس لا يلغي قيمتها وتثمين دور من قاموا بها. ولهم جميعاً الشكر والتقدير، بيد أني أنظر لمشكلة التعليم من زاوية أخرى تختلف عن زاوية «برامج» أو «مشاريع» جديدة، منطلقاً في رؤيتي من فكرة واحدة يسيرة الفهم ويتفق عليها كل أحد، وهي أن الحل (لأي مشكلة) هو بالبحث عن مصادرها، وهي قاعدة مشهورة حتى في صحة الإنسان عندما يتتبع الطبيب تاريخ الحالة المستعصية وتطور أعراض مشكلاتها فيكتشف السبب فيتجه إلى معالجته بعد أن حاول من قبله بطرق تدخليه «اجتهادية» لم تحقق نتائج ملموسة وإن كانت لها بعض الفوائد، وفي حل المشكلات تكون المصادر أحياناً بعيدة تاريخياً، مما يصعب تصور المشكلة فعلاً، تماماً كما يحدث مع مرض مزمن يصعب اكتشافه على أي طبيب لخفاء أسبابه ولقدم تكونها، وهذا ما حصل لتعليمنا، فمشكلته ليست قريبة، بل هي منذ نهاية السبعينات تقريباً، الأمر الذي لا يتوقّع معه من يتفكر في الأمر من أين يعالج المشكلة، وذلك أنه في العقود الأولى من التعليم النظامي في المملكة كان النجاح الدراسي قائماً على قدرة الطالب في القراءة والكتابة والتعبير وحل المسائل وإظهار فهمه في الاختبارات التحريرية للأسئلة المقالية التي تفرض عليه التفكير والصياغة والتبرير والشرح، وكان المعلم مضطراً إلى قراءة كل الإجابات وتحليلها، وهو جهد كبير لكنه يكشف مستوى الفهم الحقيقي لدى الطالب كما يعمق في طلاب تلك المرحلة القدرة على التعبير بطلاقة، وهو ما يفتقر إليه طلاب اليوم كما نشاهد جميعاً، وفي تلك الأيام ومع رجوع كثير من خريجي الولايات المتحدة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ونقلهم فكرة الاختبارات الموضوعية من نوع الاختيار من متعدد والصواب والخطأ (والتي انتشرت هناك آنذاك) فقد تعرف عليها المعلمون ووقعوا فغرامها لسهولة تصحيحها، كما أنها سهلة الإجابة لطلابهم فيحققوا درجات عالية الأمر الذي يعود على معلميهم بالثناء، وهذه الأدوات ليست سيئة في ذاتها، بل تعد من أفضل أدوات القياس لبعض الأهداف التعليمية إذا أُحسن بناؤها، غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه من «إحدى الأدوات» إلى «الأداة المهيمنة»، عندها يصبح النجاح مرتبطاً بالتعرف لا بإنتاج المعرفة أو التعبير عنها، وقد نبه كثير من الباحثين في القياس التربوي إلى أن نوع الاختبار يؤثر في طبيعة التعلم نفسه ويكون قائداً له.
في الوقت نفسه ومع طفرة الوظائف والرواتب برز عامل اجتماعي خطير، وهو تحول الشهادة إلى وسيلة الحصول على المال، فقد أصبحت المؤهلات مرتبطة بالوظائف والترقيات، فارتفعت قيمة النجاح أكثر من قيمة «التعلم»! ومع مرور الوقت نشأت ضغوط المجتمع (والإدارة المدرسية أيضاً) لتحقيق نسب نجاح مرتفعة، وأصبح الرسوب أو نقص الدرجات استثناءً غير مرغوب فيه من السلطة التعليمية، وكانت هذه هي الطامة الكبرى على التعليم، بينما لم يكن الانتشار المفرط للنجاح بل الدرجات العالية محل تساؤل، بل ربما نال مدحاً وثناءً باعتباره دليل اجتهاد في التدريس! وهنا وقع ما يعرفه علماء الاقتصاد والاجتماع بقانون غودهارت (Goodhart)s Law)، الذي يقول «عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يفقد المؤشر قيمته كمقياس»، فإذا أصبحت نسب النجاح المرتفعة هي الهدف، فسوف تجعلها الضغوط الاجتماعية ترتفع حتى لو لم يرتفع التعلّم فلا تعود للدرجات قيمتها كمؤشرات حقيقية للتعلّم ذاته، وهكذا برزت لدينا الظاهرة الخطيرة «ارتفاع الدرجات لا يعني بالضرورة ارتفاع التحصيل»، وهو ما عبرت عنه الأدبيات التربوية بمصطلح «تضخم الدرجات» Grade Inflation، حيث ترتفع التقديرات عاماً بعد عام دون تحسّن مماثل في الكفايات الفعلية للطلاب! لقد استمرت هذه الظاهرة تنحت في تعليمنا لعقود فهي ليست جريرة قرار وزاري أو إداري، بل هي نتيجة ضغوط مجتمعية جاهلة تجاوب معها (وللأسف) الممارسون التعليميون، بل حتى السلطات التعليمية تأثرت بهذه الظاهرة الاجتماعية فكان المسؤولون يثنون على مدير المدرسة التي تحقق مدرسته نتائج نجاح عالية!
من هنا يمكن فهم لماذا تتعثر محاولات الإصلاح المتعاقبة، وعبر كل الوزراء والوكلاء الفضلاء الذين بذلوا جهوداً مضنية لـ «التطوير»، فلم يكن هنالك مشروع يستهدف إصلاح «الثقافة المجتمعية» وترميم الممارسات الغالطة التي تراكمت عبر عقود، «وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟» ولذلك فإذا بقيت آلية التقويم وطبيعة المحاسبية التعليمية كما هي، فإن كثيراً من جهود الإصلاح تنتهي إلى تحسّن إداري أو تعليمي لفئة معينة (الموهوبين مثلاً)، ولكن لا تأثير شاملاً على المنظومة التعليمية، ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح حول تقدم التعليم الحقيقي هو: كيف نجعل الدرجات تعكس التعلّم الحقيقي؟ وأعتقد أن الإجابة تكمن في أربع نقاط: أولها: الاعتماد على عينات وطنية مستقلة لقياس مستوى التعلم الفعلي بعيداً عن درجات المدرسة، وثانيها: تقييم المدارس بناءً على النمو الحقيقي لتعلّم الطلاب لا على نسب النجاح المجردة، وثالثها: حماية المعلم من ضغوط «التساهل في التقدير»، بل حماية المجتمع منه إن هو أصر على هذه الممارسة الغالطة، ورابعها: ربط المساءلة التعليمية بمؤشرات متعددة لا بمؤشر واحد. وأخيراً يجب أن نؤمن أن التقويم هو القوة الخفية التي تشكل سلوك الطالب والمعلم والمدير والأسرة معاً، فإذا صلح التقويم، تحسنت بقية عناصر النظام، هل رأيتم كيف أن الحل سهل وغير معقد.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً