د. فهد صالح عبدالله السلطان
لم تكن التحولات السريعة لهذه المرحلة التي يعيشها العالم حالياً مقتصرة على التغيرات الجذرية في الإنتاج والخدمات والتي تمثل في مجملها تطورات مرغوبة وذات قيمة اقتصادية واجتماعية.. ولكن الملاحظ أن كثيراً من المفاهيم والرؤى تعرضت لتغيرات راديكالية جاءت بقيم وتوجهات تتعارض في كثير منها مع القيم الإنسانية والعادات والأعراف والموروثات الاجتماعية، والتي تمثل مرتكزاً لحياة الشعوب على مر العصور وفي مختلف الشرائع والحضارات.
التحدي الأكبر هو عندما تكون هذه الظواهر على حساب القيم الاجتماعية مثل ظاهرة التسليع والتي تعتبر من أخطرها وأكثرها أثراً.. ونعني بالتسليع تحويل كثيراً من المرتكزات والقيم الاجتماعية إلى سلع بحيث يتم النظر إليها والتعامل بموجبها من خلال سعرها المادي وتكلفتها الاقتصادية وعوائدها المادية وكأنها سلعة تباع وتشترى. ومن هنا أفضت هذه الظاهرة إلى إنتاج مجتمعات مادية تقيم العلاقات والأعمال والقيم والأعراف تقييماً سلعياً وفقاً لأسعارها المادية لا لقيمتها الاجتماعية.. وهناك فرق كبير كما هو معلوم بين القيم والسلع وبين القيمة والسعر ويظهر ذلك على الأفراد والمجتمعات. وهذا بطبيعة الحال نتاج واضح للنموذج الغربي الرأسمالي المبني بشكل شبه كلي على المادة وقياس العلاقات والقيم والأحداث بمعايير السلع والأسعار.
اجتماعياً ساهمت أدوات السوشيال ميديا بتعزيز تسليع القيم والمبادئ بل والفتاوى الشرعية والعبادات في بعض الحالات.. ومن يصعب عليه استيعاب ذلك - لأن فطرته لا تقبلها - فيمكنه متابعة ما يفعله القراء على المرضى وما يتقاضاه المفسرون مقابل تفسير الرؤى وما يجنيه مأذونو الأنكحة من عوائد على عقود النكاح.
في عصرنا الحاضر لم تسلم القيم والمبادئ من التسليع.. فبقدر ما تكشف الفتاة عن أجزاء من جسهما في الحملات الإعلانية الرقمية بقدر ما يرتفع العائد المادين وكأن جسمها يمثل في مجمله سلعة يمكن تجزئتها وبيعها مجزأة كل جزء يمثل سلعة تساوي سعراً محدداً.
في زمننا الحاضر تم تسليع العلم والمعرفة والدراسة والتحصيل، وإلا فكيف تتوافر لابن الغني فرص تعليمية لا يطالها ابن الفقير، تم تسليع الصداقة والمحبة بين الأهل والأصحاب والأصدقاء والجيران والزملاء.
في عصرنا الحاضر أصبح السعر السلعي هو المعيار الأساس لمعظم أفعالنا وعلاقاتنا. وأصبح البعض ينظر إلى العلوم ليختار منها ما يحقق له عوائد مادية أكثر. لم نعد ندرس العلوم والمعارف لغاية التحصيل العلمي والمعرفي بل أصبحنا نتعلم بهدف الحصول على العوائد المادية وكأن العلم سلعة تستثمر لأجل جني الأرباح، ويمكن ملاحظة ذلك في مرحلة بحث أبنائنا عن التخصص الدراسي حيث ينصب التفكير عن البحث عن التخصصات المناسبة لسوق العمل لا بهدف التزود بالعلوم والمعارف وتغذية الروح وتعليم الآخرين.
التحدي الأكبر في نظري هو أن هذه الظاهرة تزداد وتنمو مع مرور الوقت فكلما تجذر لدينا النموذج الغربي المادي كلما ترسخت عندنا ظاهرة التسليع.
ركب بجانبي رجل غربي في رحلة دولية متجهة إلى الرياض، وبعد أن دار الحديث بيننا عن عدد من الأمور سألته عن مقصده وإلى أين هو ذاهب فقال لبلدي! وأي بلد تقصد؟ أجاب السعودية! ولكنك تبدو رجلاً غربياً!، نعم ولكنني أنتمي إلى السعودية فقد عشت فيها معظم سنين عمري، واحد وثلاثون سنة فأحببتها. هل لي أن أعرف السبب الرئيس لهذه المحبة؟ أجاب القيم الاجتماعية التي لا تباع ولا تشترى ولا تسلع ولا تسعر.. لقد لاحظ ذلك أثناء عمله في مستشفى الملك فيصل التخصصي الذي يعمل فيه منذ مجيئه. وزاد، أذهلني وقوف الأقارب والأصدقاء مع مرضاهم وزيارتهم المتكررة لهم وخدمتهم ومبادلتهم الشعور والمحبة والرحمة حتى من كان منهم في أيامه الأخيرة. سعدت كثيراً بهذا الوصف إلا أنه أفسد فرحتي بأن اختتم حديثه بأنه لا حظ تراجعاً لافتاً في بعض القيم الاجتماعية الراسخة لدى بعض أفراد المجتمع، وأن هؤلاء يميلون بطبعهم إلى محاكات النمط الاجتماعي الغربي. انتهى كلامه.
بدأت أفكر بشيء من الراحة عندما تذكرت أن الصورة النمطية التقليدية للمجتمع الغربي بدأت تنكشف على حقيقتها يوماً بعد الآخر في الآونة الأخيرة. فلم يعد الشذوذ والمثلية والإدمان وكثرة الانتحارات والإلحاد سوى أمثلة لبعض الظواهر الاجتماعية هناك التي بدأت تتكشف لعامة الشعوب.. ويكفي واعظاً ما حصل في جزيرة جيفري أبستين من أعمال وحشية ليس لها سابقة في تاريخ الحضارات، بما في ذلك من اختطاف الأطفال ثم اغتصابهم ثم قتلهم ثم بيع بعض أعضائهم ثم أكل ما بقي من أجسادهم.. هذه الأفعال الوحشية لم تحدث من مدمني المخدرات هناك ولا من المتخلفين عقلياً ولا من المجرمين من خريجي السجون، وإنما أبطالها هم من ما يُعرف هناك بالنخب الاجتماعية!
بعد هذا كله هل ما زال على وجه البسيطة من يحمل إعجاباً بتلك الحضارات فضلاً عن أن يفكر في محاكاتها.
أعتقد أنه حان الوقت لمساءلة نموذج الحضارة الغربي بدلاً من السؤال عنه.