مفيض الملك
اصطفى الله سبحانه وتعالى الإنسان من بين تلاطم أمواج الكائنات في السماوات والأرض وما بينهما، وجعله سيد الخلائق وذروتها وأفضلها، وخليفة العالم كله، إذ دبّج الباري تاجه بأثمن العطايا الربانية متمثلة في هدية العقل البشري الواعي» و»سلطان المشيئة الحرة» في قول وفعل، وتفكير وتدبر، وخير أو ارتكاس في دركات شر، وحق وباطل، وحب واستنكار وجعل الخالق هذه النعمة السامقة الحد المميز بين الغريزة الحيوانية الصماء والتكريم الإنساني، وبها يستبين المرء المحرمات من المحللات، ويفرز الحق الأبلج من الباطل اللجلج، وينأى بنفسه عن مهاوي الضلال والعمى والهلاك والبوار، حذرا من عذاب مقيم في المثوى السرمدي.
وتلك المكرمة تجذرت منذ أزل الخلق يوم أبدع الله جلت قدرته آدم - عليه السلام فنفخ فيه من روحه القدسية، وصاغه على فطرة شاهقة بالحسن وشحن صدره بقلب منور بنور الهدى، ولسان لهج بالذكر، وقدم تسعى إلى المكرمات، ويد تغل عن الموبقات، وعين ترنو إلى آيات الله وبديع صنعه في مناظره الأخاذة، ليتربع الإنسان في أحسن تقويم وأرفع مقام. وحينما أبدى الملأ الأعلى من الملائكة تخوفهم، وسألوا الخالق جل وعلا سؤال استكشاف واستفسار: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ بينما بنو آدم سيحنؤون أكفهم بحناء الدماء سفكا، وتخطو أرجلهم في الأرض فسادا، وتصبو أفئدتهم إلى الشهوات واللهو واللعب؟»، أجاب الله تساؤلاتهم بأن ضرب لهم نموذجا مشهودا من عبقرية آدم، وسرعة إدراكه، وسداد إصابته، وحدة ذهنه، وتحرر فكره؛ مجليا للملائكة سر الاستخلاف البشري، ورادا على مقالتهم بفصل الخطاب المخلد في محكم التنزيل: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ).
إن تحول العقل البشري من الوعي إلى اللاوعي الباطن تعود جذوره التاريخية الممتدة إلى اليوم الذي اقترف فيه قابيل أول جريمة بشرية بقتل أخيه هابيل مدفوعا بسعار شهوته ورغبته العارمة في الاستئثار بالزواج من اختهما ذات الجمال البارع والوضاءة ليكون هذا السقوط الأخلاقي الأول بداية لانفصال الوعي عن السلوك البشري في فعل قابيل بينما تجلى اكتشاف العقل الواعي البصير في موقف هابيل، إذ يمثل العقل الواعي البوصلة الحقيقية التي تقود الإنسان ليتدبر ويتأمل في عواقب أعماله وتحركاته بكل بصيرة قبل الإقدام عليها أو بعد الفراغ منها، كما ورد في كلام ربي العظيم ولين بسطت إلى يدك لتقتلني ما أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقتلك إِنِّي أَخَافُ الله رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فإن من أعمق آثاره الإيجابية أنه يوقظ الضمير الحي، ويجعل العباد الصالحين يندمون على زلاتهم ويسارعون إلى التوبة، عازمين على عدم تكرار الفعل نفسه مرة أخرى.
وفي المقابل، يتشكل العقل اللاواعي الباطن نتيجة الآلية التلقائية للاستمرار والتكرار في الأفعال المتتالية، تماما كما نرى في مثال حي عندما نتدرب على مهارة جديدة، إذ تكون ممارستها في المرة الأولى شاقة وتستغرق وقتا طويلا لإتمامها، ولكن بمجرد المواظبة عليها لأيام معدودة متتالية، تتحول بفعل العادة إلى سلوك سهل للغاية، يستغرق وقتا أقل وجهدا أيسر، دون الحاجة إلى الوعي الكامل أو التركيز الشديد الذي كنا نستهلكه في البداية.
للمرة الأولى، ينساق إليها بكامل إرادته القابعة تحت المسارات العصبية، ويتجلى في هذا الموضع التماهي الأنيق بين مكتشفات السيبرانية العصبية ومضامين المشكاة الوحيية، فالمرء حينما يهم باجتراح خطيئة عارضة لواء العقل الواعي، حيث تشتعل القشرة الجبهية الأمامية للدماغ بنشاط مستمر يذكي غاشية من التنافر الأخلاقي والارتعاش الضميري، بيد أن انتكاس المرء في حماة الإصرار وموالاته للتكرار، يفضي فيزيائيا إلى تحت مسارات عصبية غائرة تهاجر وفق الميزان الطبي من وهج المعالجة الواعية إلى سراديب العقد القاعدية في العقل الباطن، محققة ما يدعوه العلم اليوم بالتلقائية المحضة.
وقد ثبت القرآن الكريم فكرة العقل اللاواعي والأتمتة الفكرية وتحولات العقل الواعي إلى العقل اللاواعي قبل أربعة عشر قرنا في قوله تعالى: (كلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقوله سبحانه: وَكَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كل قلب متكبر جبار، مثلما وصف الحديث النبوي الشريف تراكم الفتن عودا عودا حتى يصير القلب كالكوز مجخيا بفعل الانقياد الآلي للهو.
ومن فك العالم هانس بيرجر طلاسم الدماغ عام 1924م برصده أول تخطيط الكهرباء المخ البشري أثبت علم الأعصاب أن تيارات الوعي تتأرجح في سمفونية مدهشة تهجع في دياجير «دلتا» للنوم العميق، وتسبح في برزخ «ثيتا» للرؤى والتخيل وتنعم بسكينة «ألفا» الدافئة، وتتقد بشرارة «بيتا» للتحليل، وتتوهج بوميض «غاما» للتركيز الفذ وتدبير المنطق، حيث يفرز دماغ الممارس المثابر موجات «ألفا» المتعلقة بالراحة والسكينة عند تطبيق مهارته، بينما تجري في دماغ المبتدئ موجات «بيتا» التي توثق التفكير العميق وتحليل المشاكل واستنزاف القوة العقلية، ومن أجل ذلك، عندما يرتكب الإنسان الجرائم والفواحش يوما بعد يوم ويستمر عليها شهورا وسنوات، تصبح هذه العادات القبيحة جزءا أصيلا من بنية دماغه، تقوده اليا إلى مكان سحيق لا يشعر فيه ولا يتدبر.
قد اكتشف علماء الأعصاب دليلا على أن الممارسة و التماسك، و التماسك ينقل مهارة جديدة أو عادات وتقاليد متكررة من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي عبر تفتيش علمي على دماغ رجلين أولهما طفل صغير متقن المهارة في لعبة تكدس الأكواب ورجل آخر لا يتقنها، لم يمارسها إلا بعض الدقائق قبل التفتيش، وكشف التفتيش شيئا مدهشا حائراً، فالطفل قد أتم تكدس الأكواب في بعض الثواني حين كانت تجري في دماغه موجات ألفا المتعلقة بالراحة والهدوء، بينما نفس الفعل يستغرق من الرجل الآخر دقائق حين تجري في دماغه موجات بيتا المتعلقة بتحليل المشاكل والتفكير العميق والنقد القوي، مما يدل على أن كل ما يحدث من العقل اللاواعي لا يشعر به الإنسان لأن عاداته المتكررة زمناً طويلاً أصبحت جزءا أصيلا من الدماغ وتمنعه عن الشعور والتفكير فيما يفعله ويخطو إليه. وتبرهن بنية الخلق أن الله سبحانه وتعالى لم يجبر الإنسان على ارتكاب المعاصي بل منحه «المشيئة الحرة» ليكون المسؤول الأول عن خياراته، كما يتجلى في قوله عز وجل في سورة البلد: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}؛ فالله لا يدفع أحدا إلى الخطأ، بل إن العقل الباطن هو الذي يقود صاحبه آليا نحو الهلاك والبوار بسبب تكرار الذنوب والمعاصي التي تحولت بمرور الوقت إلى عادات مسيطرة مهيمنة. ومن هذا المنطلق تأتي «التوبة» بمثابة طوق نجاة حقيقي يكسر هذا التحكم الآلي، فعندما يقرر الإنسان النادم العودة إلى الله، يتدخل العقل الواعي بقوة العزيمة ليحطم تلك العادات السيئة المتجذرة في الدماغ ويمسح برمجتها السلبية، ليعيد توجيه مسارات العقل ونبضاته نحو نقاء الفطرة الأولى وسكينتها.