د. أماني عبدالله باهديلة
لم تكن رحلتي من الصحة إلى الإعلام انتقالًا من مهنة إلى أخرى، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لرسالة آمنت بها منذ البداية؛ رسالة الإنسان الذي يسعى إلى أن يكون مصدرًا للمعرفة، وصوتًا للأمل، وجسرًا يصل بين العلم والناس.
في المجال الصحي، تعلمت أن الكلمة قد تكون دواء، وأن التوعية قد تنقذ حياة، وأن أبسط معلومة تُقدَّم في الوقت المناسب قد تُحدث فرقًا كبيرًا. لكنني أدركت أيضًا أن المعرفة وحدها لا تكفي. هنا بدأت رحلتي نحو الإعلام، ذلك العالم الذي يمنح الأفكار أجنحة، ويجعل الرسائل الإنسانية تصل إلى أبعد مدى.
علمت مع الوقت أن الصحة والإعلام وجهان لعملة واحده هي العملة الرابحة دائماً، هي جودة الحياة.
الإعلام ليس كاميرا تُسلَّط على الأحداث فحسب، ولا منصة تُنشر عليها الأخبار فقط، بل هو قوة ناعمة تصنع الوعي، وتؤثر في السلوك، وتبني جسور الثقة بين الناس. وعندما يلتقي الإعلام بالصحة، يصبح التأثير أعمق، لأن الهدف لا يقتصر على نقل المعلومة، بل يتجاوز ذلك إلى إلهام الإنسان ليعيش حياة أفضل.
لقد وجدت في الإعلام مساحة أوسع لأشارك ما أؤمن به؛ أن الصحة ليست مجرد علاج للمرض، بل أسلوب حياة، وأن نشر الوعي مسؤولية جماعية، وأن الرسائل الإيجابية قادرة على تغيير المجتمعات. ومع كل محتوى أقدمه، أشعر أنني لا أمارس دورًا مهنيًا فحسب، بل أؤدي رسالة إنسانية تجمع بين العلم والإحساس، وبين الخبرة والتأثير.
الشغف الحقيقي لا يعرف حدودًا، إن الإنسان يستطيع أن ينجح في أكثر من مجال عندما يحمل رسالة واضحة ويؤمن بقدرته على التأثير. فالمعرفة حين تُقدَّم بحب، والإعلام حين يُستخدم بوعي، يصبحان معًا قوة قادرة على إحداث تغيير إيجابي يمتد أثره إلى حياة الآخرين.
وفي ظل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي، تبرز مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل من يعمل في مجال الإعلام الصحي أو يسعى إلى نشر الوعي. فليس كل ما يجذب الانتباه يستحق النشر، وليس كل معلومة متداولة صحيحة أو آمنة. ومن أهم ما يجب تجنبه نشر المعلومات غير الموثقة، أو التهويل في عرض الحالات الصحية، أو تقديم النصائح الطبية دون الاستناد إلى مصادر علمية معتمدة. كما ينبغي الابتعاد عن استغلال مخاوف الناس لتحقيق الشهرة أو زيادة التفاعل، لأن الوعي الحقيقي يُبنى على المصداقية والموضوعية واحترام عقول المتلقين.
إن الإعلام المسؤول لا يزرع الخوف، بل يزرع الفهم وتمكين الإنسان من اتخاذ قرارات واعية تحافظ على صحته وجودة حياته.
واليوم، وأنا أقف عند نقطة التقاء هذين العالمين، أؤمن أكثر من أي وقت مضى أن رسالة الممارس الصحي لا تنتهي عند ما يعرفه، بل تبدأ عندما يشارك هذا العلم ويحوله إلى أثر. فبين الصحة والإعلام مساحة واسعة من الإلهام والعطاء، وفي هذه المساحة تُولد القصص المؤثرة، وتُصنع البصمات، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على أن يضيء حياة الآخرين، لا بما يملك من معرفة فحسب، بل بما يحمله من شغف ورسالة وأمل.
** **
- جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن