د. عبدالعزيز بن غازي الغامدي
يُمثل تقدم الجامعة في تصنيفات QS مكسباً وطنياً، إذ يُعزز سمعة المملكة العلمية، يدعم أهداف رؤية 2030، يرفع من جودة رأس المال البشري، ويُقوي قدرة المملكة على إنتاج المعرفة والابتكار والمنافسة عالمياً.
حققت الجامعة إنجازاً عالمياً جديداً بتقدمها في تصنيف QS العالمي للجامعات، أحد أعرق التصنيفات الدولية التي تقيس أداء مؤسسات التعليم العالي في جميع أنحاء العالم. فقد احتلت الجامعة المركز 107 عالمياً، مقارنة بالمركز 143 في التصنيف السابق، محققة بذلك قفزة نوعية بلغت 36 مركزاً في عام واحد فقط، مما يقربها من دخول قائمة أفضل 100 جامعة في العالم. ويرجع هذا التقدم إلى مسيرة تطوير مستمرة تبنتها الجامعة على مدار السنوات الماضية، مع التركيز على تحسين جودة التعليم، ورفع مستوى البحث العلمي، وتوسيع الشراكات الدولية، وتحسين الأداء المؤسسي وفقًا للمعايير العالمية.
تصنيف QS العالمي للجامعات هو أحد أكثر تصنيفات الجامعات تأثيراً وانتشاراً على مستوى العالم. يهدف إلى مقارنة الجامعات وفقاً لمجموعة من المؤشرات التي تعكس جودة التعليم، قوة البحث العلمي، السمعة الأكاديمية والتأثير الدولي. تعتمد منهجيته على البيانات الكمية والاستبيانات العالمية.
وتمثل تخصصات العلوم الزراعية والبيئية والحيوية والموارد الطبيعية والذي تقوده كلية علوم الأغذية والزراعة بالجامعة نموذجاً علمياً متطوراً للتكامل متعدد التخصصات، حيث تتقاطع فيه الزراعة وعلوم النبات والحيوان وعلوم المياه وعلوم الغذاء ضمن إطار بحثي واحد. ويستند هذا الإطار إلى فهم العلاقة بين الموارد الطبيعية والإنتاج الحيوي وسلاسل الإمداد الغذائي. ولا يقتصر هذا الإطار على كونه تصنيفاً أكاديمياً فحسب، بل يعكس قاعدة علمية متماسكة تتجلى بوضوح في مؤشرات التصنيف العالمي. تُظهر البيانات أن هذا النظام يحتل مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية، مما يعكس قوة هيكله البحثي فنجد علوم النبات والحيوان تحتل المرتبة 12 عالمياً، علوم مصادر المياه المرتبة 21 عالمياً، العلوم الزراعية المرتبة 31 عالمياً، علوم وتكنولوجيا الأغذية المرتبة 39 عالمياً كما تكشف المؤشرات النوعية عن نقاط قوة إضافية ذات أهمية علمية كبيرة حيث تُعد أبحاث علوم النبات والحيوان من بين أفضل 1 % من الأبحاث على مستوى العالم، تحتل علوم مصادر المياه المرتبة الثالثة عالمياً في التعاون الدولي اما العلوم الزراعية فتتميز بكثافة إنتاج بحثي عالية وتأثير عالمي مستقر
ولا يمكن النظر إلى هذه المجالات كوحدات منفصلة، بل كنظام علمي مترابط ومتعدد المستويات، قائم على أربعة محاور وظيفية حيث ان المياه تمثل المورد الطبيعي الذي يحدد حدود الإنتاج الزراعي والبيئي، وتتميز بأداء بحثي عالمي متقدم (المرتبة 21) وتعاون دولي استثنائي (المرتبة 3)، مما يعكس مركزيتها في البحوث التطبيقية العالمية، علوم النبات والحيوان تمثل الاساس للإنتاج البيولوجي والغذائي، وتُعدّ من أقوى المجالات العلمية في الجامعة (المرتبة 12 عالمياً)، مما يعكس تأثيرها البحثي الكبير، العلوم الزراعية تمثل الإطار التنفيذي التطبيقي والفني لاستغلال الموارد الطبيعية وتحويلها إلى إنتاج مستدام، وتحتل مرتبة عالمية (المرتبة 31) تعكس كثافة البحث والتطبيق فيها. وعلوم الغذاء تمثل المرحلة النهائية في سلسلة القيمة، حيث تُحوّل الموارد الحيوية إلى منتجات غذائية، وتتميز بحضور بحثي عالمي (المرتبة 39) يعكس أهمية هذا المجال الصناعي والتطبيقي.
ويتم تنظيم هذا الترابط ضمن ما يُعرف علمياً باسم ترابط الأمن الغذائي والمائي والبيئي، وهو إطار تحليلي يربط بين استدامة الموارد الطبيعية، الإنتاج الزراعي والحيوي، النظم الإيكولوجية والحيوية وسلاسل القيمة الغذائية. يعكس هذا التحول هذه التخصصات من مجالات معرفية مستقلة إلى نظام إنتاج مستدام متكامل، كما تؤكد ذلك مؤشرات التصنيف، لا سيما في قطاعات المياه والنبات والحيوان، حيث تتجلى بوضوح العلاقة بين أداء البحث والتطبيقات العالمية.
وتعكس هذه البيانات أهمية استراتيجية مباشرة على المستوى الوطني، وذلك من خلال الأمن الغذائي (حيث دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، تطوير الزراعة في البيئات الجافة وشبه الجافة وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية) الأمن المائي (بتطوير إدارة موارد المياه، دعم الابتكار في تقنيات تحلية المياه والاستخدام المستدام وتعزيز الاستدامة البيئية للمياه) اقتصاد المعرفة بدعم الصناعات الغذائية المتقدمة، تطوير التقنيات الحيوية والزراعية وتحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية مضافة).
ويمثل هذا النموذج العلمي قدرة المملكة على إنتاج معارف ذات تأثير عالمي، اندماج متقدم في شبكات البحث الدولية، تحول من البحث النظري إلى الحلول التطبيقية وتعزيز مكانة الجامعات السعودية في التصنيفات العالمية.
كما يتماشى هذا الصعود مع أهداف رؤية 2030، والتي تقوم على بناء اقتصاد قائم على المعرفة، تعزيز تنافسية التعليم العالي، دعم البحث العلمي والابتكار وتعزيز الاستدامة البيئية والاقتصادية. يؤكد هذا على أن الجامعة لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية، بل أصبحت فاعلاً علمياً ضمن مشروع التنمية الوطنية، تُسهم في بناء مستقبل قائم على المعرفة والتكنولوجيا والاستدامة.
ستبقى جامعة الملك سعود منارةً للمعرفة، تحمل اسم المملكة للعالم، وتؤكد أن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي هو سبيل الريادة وصياغة المستقبل.
نثمن جهود القيادة، أعضاء هيئة التدريس والكادر الفني والإداري والطلاب الذين يواصلون مسيرة التميز والإسهام.
** **
- وكيل كلية علوم الأغذية والزراعة للشؤون التعليمية والأكاديمية، جامعة الملك سعود