حاوره - وائل العتيبي:
في زمنٍ تتكاثر فيه الكلمات حتى تكاد تفقد معناها، يختار رسّام الكاريكاتير أن ينسحب قليلًا من ضجيج اللغة، ليمنح الخطَّ سلطة القول.
هناك في المساحة البيضاء التي تبدو صامتة، تبدأ الحكاية من ملامح تُبالغ في صدقها، وابتسامةٍ لا تُخفي ما وراءها، وسخريةٍ خفيفة تُشبه الحكمة حين تتخفّى في هيئة ضحكة.
في هذا العالم المختصر، يقف الفنان السعودي عبدالحكيم بامهير، المعروف فنيًا بـ«حكيم»، كمن يؤمن أن الإنسان يمكن فهمه من ظله، وأن المجتمع يمكن قراءته من انحناءة خط.
لم يتعامل مع الكاريكاتير بوصفه فنًّا للتسلية، بل كنافذةٍ للتأمل، ومرآةٍ تعكس ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ، ومن خلال أعماله التي تمزج بين البساطة والذكاء البصري، استطاع أن يحوّل اليومي العابر إلى مشهدٍ يستحق الوقوف، وأن يمنح الملامح حياةً ثانية على الورق.
ومع مسيرةٍ فنيةٍ امتدت منذ بداياته في صحيفة «الجزيرة» عام 1416هـ، مرورًا بانضمامه إلى الجمعية السعودية للفنون التشكيلية (جسفت)، ومشاركاته في معارض فنية بارزة، ظلّ بامهير يطوّر لغته الخاصة؛ لغة تقوم على المبالغة الهادفة، والاختزال الذي يفتح أبواب المعنى بدلًا من أن يغلقها.
ولم يكتفِ بالرسم، بل امتد حضوره إلى التعليم والتأثير، من خلال ورش العمل والدورات التدريبية، حيث يعلّم الآخرين كيف يمكن لخطٍّ بسيط أن يتحوّل إلى شخصية، وكيف يمكن للملامح أن تقول ما تعجز عنه العبارات.
في هذا الحوار، نقترب من عوالمه الهادئة، لنصغي إلى الفنان وهو يشرح كيف تُولد الفكرة قبل أن تُرسم، وأين تنتهي حدود السخرية وتبدأ مسؤولية الوعي، وكيف يمكن لرسمةٍ واحدة أن تترك في القلب سؤالًا... أو ابتسامةً لا تنطفئ بسهولة.
الحوار
* هل تتذكر أول شخصية رسمتها في حياتك؟
- رسمت كثيرًا، لكن الذاكرة لا تحتفظ بالبدايات دائمًا كما تحتفظ بالأثر.
* متى شعرت أنك قادر على اختصار فكرة كاملة في رسمة واحدة؟
- في عام 1416هـ، حين كنت أعمل رسامًا في صحيفة «الجزيرة».
* هل كان الكاريكاتير في بداياتك مجرد ضحك فقط؟
- في البداية كان الضحك حاضرًا، أما اليوم فقد صار للفن عندي رسالة أعمق وأهدأ.
* أيهما أكثر صعوبة: السياسي أم الاجتماعي؟
- لا شيء أصعب... فكلها وجوه لفكرة واحدة.
* كم يستغرق منك رسم كاريكاتير؟
- نصف ساعة... لكنها تحمل ما هو أطول من الزمن.
* لو رُسمت ككاريكاتير، كيف ستكون صورتك؟
- جرّبت ذلك كثيرًا... كجزء من التدريب، وكحوار مع الذات.
* من هم الرسامون الذين تركوا أثرًا فيك؟
- من السعودية: الراحل علي الخرجي، ومحمد الخنيفر، وعبدالرحمن هاجد، وإبراهيم الوهيبي. ومن العالم العربي: علي فرزات، وناجي العلي.
* ما الذي تركز عليه في تدريبك للآخرين؟
- أساسيات فن الكاريكاتير... وكيف تتحول الملامح إلى معنى.
* هل ترى نفسك ناقدًا أم ساخرًا؟
- أنا ناقد... لكن السخرية هي لغته.
* ما أكثر ما يزعجك اجتماعيًا؟
- العادات اليومية حين تفقد وعيها.
* هل للفنان حدود يجب ألا يتجاوزها؟
- نعيش في وطنٍ يحترم النظام، ولي خطوط حمراء لا أتجاوزها.
* ما رأيك في الذكاء الاصطناعي؟
- يمكنه أن يفتح نافذة للفكرة، لكنه لا يستطيع أن يكون روحها.
* هل يمكن للكاريكاتير أن يغيّر رأيًا؟
- إذا أصاب الفكرة في قلبها... نعم، يمكنه أن يحرّك ما هو أعمق من الرأي.
* هل غيّرت رأيك أثناء الرسم؟
- نعم... أحيانًا يقودك الخط إلى فكرة لم تكن في الحسبان.
* هل ما زال الكاريكاتير مؤثرًا في زمن السوشيال ميديا؟
- تتغير الأدوات، لكن الفكرة الصادقة لا تفقد أثرها.
* ما الحد الفاصل بين السخرية والتنمر؟
- هو احترام الإنسان قبل الرسم.
* ما أقسى نقد واجهته؟
- التوقف عن العمل... كان أكثر من مجرد نقد، بل كان اختبارًا.
خاتمة
يبقى الكاريكاتير عند عبدالحكيم بامهير أكثر من فنٍّ مرسوم؛ إنه طريقة هادئة لطرح الأسئلة الصعبة دون أن ترفع صوتها.
خطٌّ واحد يكفي أحيانًا ليقول ما تعجز عنه الصفحات، وابتسامةٌ صغيرة قد تحمل في داخلها نقدًا للعالم كله... أو محبةً له في الوقت ذاته.