محمد البهيدل
شهدت الأيام القليلة الماضية موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة، والتي بلغت حدّ التشنج في بعض منابرها، إثر خسارة منتخبنا الوطني الأول أمام نظيره الإسباني في معترك كأس العالم 2026.
ولأن كرة القدم في وطننا الغالي لم تعد مجرد لعبة، بل شغفاً وطنياً وانتماءً عميقاً، فإن العاطفة أحياناً تعمي البصائر عن رؤية الحقائق المجردة.
وإذا ما أردنا تفكيك هذا المشهد بنظرة حصيفة وعقلانية، فإن الخسارة أمام منتخب بحجم «الماتادور» الإسباني، هي في واقع الأمر خسارة متوقعة، منطقية، وطبيعية جداً، بالنظر إلى الفروقات الفنية الشاسعة، والتراكم التاريخي، والخبرات التنافسية بين المنتخبين؛ وبالتالي فإن جعل هذه المباراة مقصلة للأجهزة الفنية والإدارية هو قراءة مجتزأة وتسطيح لواقع يتطلب عمقاً أكبر في التحليل والتناول.
إن المتأمل في المشهد الرياضي المحلي يدرك بوضوح أن الأخضر بات، مع الأسف، ضحية لصراعات فكرية وإعلامية حادة؛ صراعات تنقسم بين مؤيد ومعارض للكم الهائل من المحترفين الأجانب في دورينا، وبين مستنكر ومتفاجئ من تفاوت قيمة العقود الفلكية بين اللاعب الأجنبي واللاعب المحلي.
هذا التجاذب الفكري ألقى بظلاله الثقيلة على مسيرة المنتخب، وضاعف من الضغوطات على كاهل اللاعبين.
غير أن الوقوف عند حد البكاء على اللبن المسكوب لن يغير من الواقع شيئاً؛ ما نحتاجه اليوم هو دراسة علمية شاملة وعميقة، تهدف إلى تصحيح كافة الأخطاء-كارثية كانت أم صغيرة-بمشرط الجراح لا بمعول الهدم.
وهنا، يجب أن نضع النقاط على الحروف دون مواربة: لابد وأن يكون المنتخب الوطني الأول هو الأولوية القصوى والأولى في أجندة وعمل الاتحاد السعودي لكرة القدم.
إن مصلحة «الأخضر» لا تقبل إطلاقاً عملية الموازنة والمفاضلة بينها وبين مصلحة الأندية أو القيمة التسويقية للدوري السعودي.
مع تسليمنا بأهمية قوة الدوري، إلا أن القيمة الحقيقية لمنظومتنا الرياضية تُقاس بما يقدمه المنتخب في المحافل الدولية، ولذا لابد من تغليب مصلحة الوطن على أي مصلحة نادوية أخرى، مهما علا شأنها.
ولتحقيق هذه المعادلة، بات لزاماً على أصحاب القرار إعادة النظر في استراتيجياتنا الاحترافية. يجب فتح ملفات احتراف النجوم المحليين الدوليين ونجوم المستقبل، والعمل الجاد على تسهيل وتوجيه احترافهم خارجياً في الدوريات الأوروبية والمتقدمة، لكسب سيكولوجية التنافس العالي. يواكب ذلك، ضرورة تقليص الهدر المالي الكبير المرتبط بالمحترفين الأجانب، من خلال تقنين عددهم، ووضع حد أدنى وأعلى لمبالغ العقود؛ سواء للاعبين أو للمدربين.
إن استدامة الدوري السعودي وتحسين بيئته لا تأتي بضخ الأموال بلا سقف، بل بفرض حوكمة مالية شديدة وصارمة، تقي أنديتنا مغبة الديون المتراكمة والقضايا الدولية التي أثقلت كاهل الرياضة السعودية في أروقة «الفيفا».
وفي سياق متصل، لا يمكن لعاقل أن يتغافل عن الآفة الكبرى التي تنخر في جسد رياضتنا، ونعني بها «صراعات الألوان» بين الجماهير والمنتمين للإعلام الرياضي.
هذا التعصب المقيت قاد إلى توجيه نقد حاد، متواصل، وغير مبرر إطلاقاً، لنجم وقائد المنتخب الأسطورة سالم الدوسري. إن سالم يظل واحداً من أفذاذ الكرة السعودية عبر تاريخها، وقائداً ملهماً حقق ما لم يحققه الكثيرون، وإن انخفض مستواه الفني في مباراة أو مرحلة ما-سواء بداعي التقادم في العمر أو لحاجته للوقت بعد العودة من الإصابة- فإن ذلك يعد سياقاً طبيعياً في حياة أي رياضي.
إن النيل من الرموز بدافع الميول النادوية هو تدمير ممنهج لمكتسباتنا الوطنية، وسالم وأعوانه بحاجة للدعم والالتفاف، لا للتشكيك والخذلان.
وختاماً، نوجه رسالة شديدة اللهجة، نابعة من غيرة وطنية، إلى مجلس إدارة الاتحاد السعودي لكرة القدم: إن صمتكم لم يعد مقبولا، وحان الوقت لتفعيل أدواتكم القانونية والتحرك الحازم لحماية المنتخب الوطني ونجومه من المتجاوزين والمسيئين الذين باتوا ينتشرون بشكل أخطبوطي وممنهج في منصات التواصل الاجتماعي.
إن حرية النقد مكفولة، لكن الإساءة والتشويه والطعن في الذمم والقدرات بدافع التعصب هي جرائم في حق الوطن الرياضي يجب ملاحقتها ومحاسبة مرتكبيها.
حافظوا على مكتسباتكم، واحموا رجالك في الميدان، فمنتخبنا الوطني-بإذن الله- بقيادة سالم الدوسري بخير، شريطة أن تتوفر له البيئة الشفافة، والحماية القانونية، والعمق الإداري المستنير.