د. عبدالمحسن الرحيمي
في مقال سابق عن أدب المقاومة الوجودية، تم تعريفه باعتباره فرعًا جديدًا من الأدب لا يكتفي بوصف الإنسان، بل ينحاز إلى الدفاع عنه؛ أدب يحاول حماية الفرد من عالم تتسع فيه سلطة الخوارزميات، وتتزايد فيه القدرة على التوقع، وتضيق فيه مساحة الدهشة والأسئلة والاختيار. كانت الفكرة الجوهرية هناك بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: كلما ازدادت قدرة العالم على قراءة الإنسان، ازدادت حاجة الإنسان إلى ما يحفظ فرادته. لكن سؤال الإنسان يقود، بطبيعته، إلى سؤال المجتمع. ماذا يحدث حين تضعف ذاكرة المجتمعات؟ وكيف تحافظ الجماعات البشرية على صورتها عن نفسها وهي تعبر زمنًا تتغير فيه الأدوات، وتتبدل فيه اللغة، وتتسارع فيه التحولات؟
مهما تطورت التقنيات، وانتقلت الكلمة من الورق إلى الشاشات، يبقى الأدب أحد أكثر المساحات قدرة على حفظ المعنى. فالحضارات لا تتذكر نفسها بالوقائع وحدها، بل بالطريقة التي تروي بها تلك الوقائع، وبالقيم التي تختار حملها من زمن إلى آخر، وبالصور التي تصر على إبقائها حيّة داخل الوعي الجمعي. وما لا تكتبه المجتمعات عن نفسها، يكتبه الزمن عنها.
لهذا لم يكن الأدب يومًا ترفًا ثقافيًا، ولا نشاطًا منفصلًا عن حركة التاريخ، بل ظل مساحة تراجع فيها المجتمعات صورتها عن نفسها، وتحفظ ذاكرتها، وتعيد تعريف ما تعتبره جديرًا بالبقاء. الخوارزمية قد تتوقع السلوك، لكنها لا تفسر الإنسان. البيانات تحفظ المعلومة، لكن الأدب يحفظ أثرها؛ يفسر الشعور، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاكرته ومجتمعه.
في التجربة السعودية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فالأدب لم يكن شاهدًا على التحولات فقط، بل شريكًا هادئًا فيها. الدولة تتشكل، والمجتمع يعيد ترتيب علاقته بالمكان والانتماء والاستقرار، واللغة تبحث عن طريقة تجعل الناس يفهمون ما يحدث حولهم، لا بوصفه تغيرًا سياسيًا فحسب، بل تجربة اجتماعية وثقافية كاملة. فالمجتمعات لا تُبنى بالوقائع وحدها، بل باللغة التي تشرح تلك الوقائع، وبالسرد الذي يمنحها معنى، وبالذاكرة التي تحفظ أثرها.
في الدولة السعودية الأولى، لم يكن الشعر والسرد الشفهي مجرد وسائل للتعبير، بل أدوات لحفظ المجتمع من التبعثر الرمزي. في زمن كانت المجالس فيه إحدى مدارس الوعي الأولى، كانت القصيدة تُحفظ كما تُحفظ الذاكرة نفسها، وتنتقل من مجلس إلى آخر لا بوصفها كلامًا جميلًا فقط، بل بوصفها وعاءً للقيم وطريقة لفهم العالم.
الشجاعة لم تكن مفهومًا نظريًا، بل صورة تتكرر في اللغة حتى تصبح جزءًا من الوعي الاجتماعي. الوفاء لم يكن درسًا أخلاقيًا معلقًا، بل معنى يُعاد إنتاجه في الحكايات والقصائد والمواقف اليومية. والانتماء لم يكن شعارًا، بل إحساسًا يترسخ عبر ما يرويه الناس عن أنفسهم. فالمجتمع لا يحفظ نفسه بالقوانين وحدها، بل باللغة التي يصف بها ما يراه جديرًا بالاحترام وما يعدّه معيارًا للكرامة.
في البيئات التي تعتمد على الذاكرة الشفهية، لا يعيش الأدب على هامش المجتمع، بل في قلبه. الحكاية ليست للتسلية فقط، بل طريقة لفهم العالم، والقصيدة لا توثق الواقعة وحدها، بل تمنحها معنى أخلاقيًا واجتماعيًا. ولهذا أدت اللغة، في كثير من الأحيان، وظيفة المدرسة قبل المدرسة؛ تحفظ القيم قبل أن تُكتب، وتمنح المجتمع صورة مستقرة عن نفسه.
المجتمعات لا تفقد ذاكرتها دفعة واحدة؛ بل حين تتوقف عن رواية نفسها.
وحين دخلت التجربة السعودية مرحلة أكثر تعقيدًا في الدولة السعودية الثانية، لم تتراجع الحاجة إلى الأدب؛ بل ازدادت. فالتحولات السياسية والاجتماعية لا تختبر المؤسسات وحدها، بل تختبر قدرة المجتمع على الاحتفاظ بصورة نفسه. وفي زمن كانت التحولات تختبر تماسك المجتمع، أصبحت القصيدة مساحة يستعيد فيها الناس شعورهم بالثبات، وتحوّلت الحكاية إلى وسيلة هادئة لحماية الاستمرارية النفسية والاجتماعية.
في الأزمنة المستقرة، يحتاج الناس إلى تفسير الواقع، أما في الأزمنة القلقة، فيحتاجون أيضًا إلى ما يطمئنهم بأن المعنى لم يضع، وأن القيم التي صنعت التماسك لا تزال قادرة على البقاء. ولهذا اتسعت وظيفة الأدب؛ لم يعد يروي ما يحدث فقط، بل أصبح وسيلة لحماية الاستمرارية النفسية والاجتماعية. القصيدة تستعيد الإحساس بالثبات، والحكاية تعيد وصل المجتمع بذاكرته، واللغة تمنع القطيعة بين الناس وصورتهم عن أنفسهم.
حين يضعف السرد، يضعف الإحساس بالمصير المشترك.
ثمة فرق كبير بين مجتمع يملك أحداثًا، ومجتمع يملك قصة عن تلك الأحداث. الأحداث تمر، أما القصص فتبقى. فالتاريخ يسجل ما حدث، أما الأدب فيفسر لماذا بقي بعض ما حدث حيًا داخل الذاكرة.
ومع الدولة السعودية الثالثة، اتسع المشهد بصورة مختلفة. المجتمع لم يعد يعيش سؤال المكان المحدود أو الجماعة الصغيرة، بل سؤال الوطن الذي يتشكل، والطموح الذي يعيد رسم العلاقة بين الماضي والمستقبل. هنا لم يعد الأدب يكتفي بحفظ الذاكرة، بل أصبح جزءًا من بناء الوعي الوطني.
الصحافة، والكتابة الحديثة، واتساع التعليم، وتنامي المجال الثقافي، لم تلغِ القصيدة ولا الحكاية، بل وسعت المساحة التي يتحرك فيها الأدب. الذاكرة خرجت من المجلس إلى المجال العام، وأصبح الأدب يشارك في صياغة صورة المجتمع عن نفسه على نطاق أوسع. السرد لم يعد محليًا فقط؛ بل صار أقرب إلى مشروع وطني يربط الماضي بالحاضر، ويمنح التحولات لغة يمكن فهمها.
فكرة العمل، والاستقرار، والانتماء، والمسؤولية، لم تدخل وعي المجتمع عبر القرارات وحدها، بل عبر اللغة التي منحت تلك التحولات معنى. فالسياسات تغيّر الواقع، لكن السرد يفسر للناس لماذا يتغير الواقع، وما الذي يستحق أن يبقى. المجتمعات لا تضعف حين تفقد الذاكرة فقط؛ بل حين تفقد اللغة التي تشرح بها ذاكرتها.
وقد يبدو السؤال مشروعًا: لماذا تغيّر الحديث عن الأدب؟ وكيف انتقل من القصيدة والكتاب والمجالس الثقافية إلى مفردات جديدة مثل المسرعات الثقافية، والصناعات الإبداعية، والاقتصاد الثقافي؟ وهل تغيّر مفهوم الأدب نفسه؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع أن الأدب لم يتغير في جوهره. القصيدة لم تغب، والرواية لم تختفِ، والكتاب لم يغادر المشهد. ما تغير هو البيئة الحضارية التي يتحرك داخلها الأدب. المجتمعات الحديثة لم تعد تنظر إلى الثقافة بوصفها نشاطًا رمزيًا فقط، بل باعتبارها جزءًا من التنمية، وصناعة الوعي، وتحفيز المشاركة الاجتماعية، وتعزيز الصورة الذهنية للمجتمع.
المسرعات الثقافية لا تعني استبدال الشعر بالتقنية، ولا استبعاد الكتاب لصالح المنصات. إنها محاولة لإيجاد أدوات جديدة تسمح للأدب بأن يصل بصورة أوسع، وأن يتحول من حضور محدود إلى طاقة اجتماعية أكثر تأثيرًا. التحول هنا لا يلغي الجوهر، بل يوسع دوائر الوصول.
فالشعر بقي حاضرًا، والقصة لم تغب، والكتاب لم يفقد مكانته، لكن طريقة الحضور تغيّرت. المجتمع يتحرك بسرعة أكبر، والمنصات تتبدل، والقراءة نفسها أعادت تعريف عاداتها. ولهذا لم يكن أمام الأدب إلا أن يطور أدوات حضوره من دون أن يفقد روحه.
في عصر الخوارزميات، تبدو الحاجة إلى الأدب أكثر إلحاحًا لا أقل. فكلما ازدادت قدرة التقنية على التوقع، ازداد احتياج الإنسان إلى مساحة لا تختزله. وكلما ازدادت سرعة العالم، ازدادت حاجة المجتمعات إلى ذاكرة تمنعها من فقدان نفسها وسط التغير.
الخوارزميات قد تتنبأ بما سيفعله الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تشرح لماذا يشعر، ولا لماذا يتذكر، ولا كيف تمنح المجتمعات معنى لتجاربها. التقنية تستطيع أن تتوقع السلوك، لكنها لا تستطيع أن تخلق الإحساس بالمصير، ولا أن تمنح المجتمعات اللغة التي تفسر بها خوفها وأملها وتحولاتها.
كلما ازداد العالم قدرة على التوقع، ازداد احتياج الإنسان إلى ما يذكّره بأنه أكثر من معادلة، وأكثر من بيانات، وأكثر من سلوك متوقع.
ولهذا، كلما ازداد العالم رقمنة، ازداد احتياج المجتمعات إلى الأدب؛ لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل بوصفه قدرة على ألا تفقد ذاكرتها وهي تعبر المستقبل.