د. عبدالحق عزوزي
لا يكاد تاريخ أي أمة يخلو من تشكّل ثقافة ناتجة عن تفاعل متواصل بين شعوب وأعراق ومكوّنات حضارية متعددة، إذ تتبلور الهوية الثقافية في الغالب من خلال روافد متنوعة يفرضها الموقع الجغرافي، وتؤطرها العلاقات الجيوسياسية، وتغذيها حركة الانفتاح والتواصل مع الفضاءات المجاورة والبعيدة.
ومن ثمّ، تتحول البلدان عبر مسارها التاريخي إلى فضاءات رحبة لاندماج العناصر الوافدة وتلاقحها، حيث تذوب هذه المكونات تدريجياً في نسيج المجتمع، فتتشرب روح الأرض التي احتضنتها، وتنسجم مع خصوصيات سكانها، لتسهم في صياغة ثقافة تتسم بالقدرة على الاستيعاب والانتقاء، وبالنزوع إلى التوازن والاعتدال والواقعية في النظر إلى الذات والآخر.
وقد ساهم تطور الفكر الأنتروبولوجي في التخلي عن مفهوم الثقافة كمرادف للحضارة ليشمل المنظومات الرمزية وكل المعارف والمعتقدات والفنون والأعراف والعادات والطقوس التي تلازم الحياة الاجتماعية كتعبير إنساني. وهنا نجد ليفي ستراوس (Levi Strauss) الذي يقول بأن كلّ ثقافة لابدّ أن تُعبّر عن هويتها القومية، المتمثلة في خصوصيات الشعب الذي أنتجها. وفي هذا السياق يقول: «إنّ كلّ ثقافة من المنظور الأنتروبولوجي تؤكّد ذاتها بوصفها الثقافة الحقيقية الوحيدة التي يجدر بها أن تُعاش، لكونها الثقافة التي تعبّر تلقائياً عن ذاتية من يمثلونها. وهو ما نسمّيه الأصالة. فكلّ ثقافة هي بالأساس ثقافة أصيلة، تُجاه أيّ ثقافة أخرى».
ولا جرم أنه كما يكتب العلامة محمد الكتاني في ضوء التمييز بين المكوّن العقلانيّ وبين المكوّن الوِجدانيّ، الديني أو الوطنيّ يتجلّى الاختلاف بين الثقافات. وهو اختلاف لا يعني بالضرورة أيّ أفضلية أو تَراتُب. وإنّما يعني الخصوصية والأصالة بالنسبة لكلّ ثقافة وطنية أو قومية. ولذلك لم يقل أحد من علماء الاجتماع بالتراتب أو بالتفاضل بين اللغات، باعتبارها نظاماً تتكافأ فيه الألسن واللغات، كما لا يوجد تفاوت بين الأذواق والفنون، باعتبارها أشكالاً تعبيرية ذاتية، لا يسدّ الدخيل منها مَسدّ الأصيل.
وإذا سلّمنا بالاختلاف، بين ما هو خصوصي، وبين ما هو كونيّ في الثقافة، فلا مناص من ربطه بمسار التاريخ. إذ من المعلوم أنّ ثقافة أيّ أمّة إنّما تتكوّن خلال مسار حركتها التاريخية، وذلك حينما تتمخّض هذه الحركة عن ترسيخ مجموعة من النُّظم والمؤسّسات، التي تقوم عليها الحياة الاجتماعية، وعن عقيدة تُبلوِر منظورها إلى الكون، وعن تقاليد متوارثة تُعبّر عن منظومة من الثوابت المتحكّمة في القيم والقواعد الأخلاقية.
ومن خلال هذا التوجّه لا يرى البعض أيّ مبرّر لطرح إشكالية التعارض بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية الوطنية، وبين ما يمكن تسميته بالثقافة الكونية، أي الحضارة العالمية الراهنة.
ولكن يعتقد معظم الناس بأنّ هذا التعايش معناه إخضاع إحداهما للأخرى. فالبعض منّا يعتقد أنّ ما هو كونيّ من القيم يجب أن يُزيح من طريقه كلّ ما هو خصوصيّ أو يهيمن عليه. بحيث تأخذ القيم الكونية مكان ما هو خصوصيّ، ولو أدّى ذلك إلى التخلّي عن الهوية الوطنية. والبعض الآخر يرفض هذه الكونية، ويعتقد أنّ ما هو خصوصيّ يجب أن يُدير ظهره لكلّ ما هو كونيّ، باسم الحفاظ على الهوية الوطنية. وفي الموقفين معاً سوء فهم وتجاهل للواقع.
ونحن نتحدث عن هذا الموضوع، فمن البديهي أن وجود سوق ثقافية يتوقف على وجود مستهلك ثقافي؛ كما أن أساس الاستهلاك الثقافي هو توفر القراء والنقاد للأدب والشعر، والإعلاميون والمحبون للفن، والصناعة الثقافية في كل المجالات الثقافية: مطابع الكتب ودور النشر والمعارض الفنية التي تمنح الثقافة قيمة تبادلية واستهلاكية إلى غير ذلك.
ولله در الأستاذة رحمة بورقية عندما أشارت إلى أن الثقافة المحلية تواجه تحدي العولمة الثقافية جراء تنقل البضائع والسلع والمنتوجات الثقافية عبر حدود الأوطان، داخل عولمة ثقافية قد تجعل الأطباق الصينية تباع في بلداننا، والوجبات السريعة الأمريكية تباع في جل بلدان العالم. كل هذا ممكن نظرا لكون الثقافة أضحت مرتبطة بالصناعات التي تحول الأشياء الثقافية إلى بضاعة وما يولده ذلك من انتشار سريع للإنتاج والاستهلاك الثقافيين.
ثم إنه أحد الحواجز التي تعوق التنمية الثقافية دون جعلها جماهيرية في واقع مجتمعاتنا العربية هي الأمية، لا الأمية الأبجدية فحسب، وإنما أيضا الأمية الثقافية التي تعكسها المؤشرات حول عدد القراء ومبيعات الكتب. كما أن طرق التلقين ومنهجه الذي يعتمد، في نظامنا التعليمي، على حشد المعلومات التي تجعل من التلميذ خزاناً للمعلومات لا عقلا يفكر ويرغب في القراءة، ويملك فضول السعي إلى المعرفة الذي يضعه فوق سكة اكتساب الثقافة. كل هذا يجعل الثقافة في بلدنا تحت محك تحد كبير.