أبوبكر الموسى
يُغري توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية وبدء المفاوضات التفصيلية القائمة في جنيف بقراءتها كوصف لبداية ترتيب جديد للمنطقة، غير أن التدقيق يرجّح أنها أقرب إلى لحظة مصادقة على نتائج تبلورت قبل ذلك إلى لحظة تأسيس جديدة، فالاتفاق بصيغته المعلنة -وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز، ورفع تدريجي ومشروط للعقوبات، مع إرجاء الملف النووي إلى تفاوض لاحق- يسجّل انتقالاً من مقاربة كانت تراهن فيها بعض الأطراف على نزع الشرعية وتفكيك بنية الدولة، إلى صيغة تكتفي بإدارة المخاطر وشراء الوقت، وهذا الانتقال سبق الميدان إليه طاولة التفاوض، فلم تصنعه المفاوضات بقدر ما صادقت عليه، وقد قام الرهان الأكبر بعد وقف إطلاق النار على أن أمن مضيق هرمز ورقة ضغط بيد واشنطن، والحقيقة أنه قيد عليها قبل أن يكون قيداً على سواها، فأمريكا وحدها وليست إيران هي المسؤولة أمام العالم وهي المضطرة لتحمّل كلفة إبقاء المضيق مفتوحاً وانهاء الحصار المزدوج، تحت وطأة الصدمة الكبيرة في أسعار الطاقة والركود الاقتصادي وتعطل سلاسل الإمداد.
وقد بلغت الصدمة حداً دفع وكالة الطاقة الدولية إلى سحب 400 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي، ودفع واشنطن إلى الدعوة لتحالف دولي لتأمين عبور الناقلات حالما تسمح الظروف الميدانية ، وفي السياق نفسه برزت مفارقة لا فتة بالغة الدلالة، تحمل بحد ذاتها رسائل سياسية عميقة حين اضطرت واشنطن -تحت وطأة ارتفاع الأسعار الناجم عن أزمة هرمز- إلى منح إعفاءات متكررة من العقوبات لشراء النفط الروسي الذي أمضت سنوات في حصاره عقاباً على حرب أوكرانيا، ثم وسّعت هذه الإعفاءات من الهند وحدها إلى دول العالم كافة، وهو قرار لم يكن في حسبان من خطّط للأزمة، و كشف عن حدود القدرة الأمريكية أحادية القطب على إدارة حصارين متزامنين (موسكو، وطهران) فاستنجدت القوة الحامية بالخصم الذي طوّقته، في دلالة على الحسابات الخاطئة قبل أن تكون تعثراً في إدارتها، وعجل للعودة حيث انتهى الآخرون في جنيف.
ولم يأتِ وصف الحرب بالإخفاق من الخصوم وحدهم، فقد أكدت أصوات من داخل المعسكر الداعي إليها النتيجةَ ذاتها، حيث اعتبرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن الشروط المنشورة تؤكد أن الحرب كانت فشلاً إستراتيجياً تخرج منه طهران أكثر جرأة، وذهب التحليل الأكاديمي الغربي إلى ما هو أبعد، حين كتب الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة جورجتاون في قطر، وخبير في شؤون السياسة الخارجية الأمريكية «بول موسغريف «بمجلة فورين بوليسي، أن حرب إيران كانت «حرب اختيار» انتهت إلى انتكاسة استراتيجية تفوق في أثرها حرب فيتنام، فهي وإن قلّت خسائرها البشرية الا أنها ضربت المصالح الأمريكية الجوهرية وأضعفت موقع واشنطن العالمي مباشرةً، على خلاف فيتنام التي لم تمنع واشنطن من حسم الحرب الباردة لاحقاً، وفي السياق ذاته نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مجموعة من الخبراء، من بينهم النائب السابق لرئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تقديرَهم أن إدارة الحرب كانت فاشلة استراتيجياً، وأن مذكرة التفاهم قد تمنح طهران فرصة لتسريع الوصول إلى السلاح النووي خلال مهلة 60 يوماً المخصصة للتفاوض، وهو تحذير يبدو في توقيته ومبالغته أقرب إلى حملة إعلامية موجّهة إلى الداخل الإسرائيلي، أو في أقل أحواله هروباً إلى الأمام يعيد إنتاج الذريعة التي انطلقت منها الحرب بدلاً من مراجعة الإخفاق الذي انتهت إليه.
ولم تتوقف تبعات هذا الإخفاق عند حدود تقييم الحرب، فقد امتدت إلى موقع إسرائيل نفسها لدى حليفها الأكبر، حيث بدت ملامح اهتزاز في الثقة بين الحليفين، فقد حملت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤشراً لافتاً، حين أعلن -على هامش قمة مجموعة السبع وبجانبه أمير قطر- إن إسرائيل ما كانت لتبقى لولا الدعم الأمريكي، ولولا ما قدّمه هو شخصياً مما لم يقدّمه رئيس قبله، وهو في معرض الامتنان لذاته، قدم اعترافاً متأخراً بأن الحرب لم تكن حرب واشنطن بقدر ما كانت حرب حليفها، وهو التشخيص ذاته الذي سبق أن قرأه شركاء المنطقة حين نأوا بأنفسهم عن الانخراط فيها، وقد كان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أكثر صراحةً، حين قال إن واشنطن هي «الصديق الوحيد المتبقّي» لإسرائيل، وإنها «معزولة بعمق»، في تأكيد على حجم العزلة الدولية التي تحيط بإسرائيل بعد هذه الحرب، وإذا كانت هذه التصريحات قد كشفت عن تراجع مكانة الحليف على مستوى الخطاب، فإن وقائع الميدان جسّدته على نحو أوضح، فقد كشفت وسائل إعلام إسرائيلية ودولية حجب نص مذكرة التفاهم عن إسرائيل ورفض اطلاعها عليه قبل توقيعه، رغم أنها الطرف الأكثر التصاقاً بالملف، ودلالة ذلك تتجاوز الواقعة العابرة إلى ما يمكن تسميته باهتزاز الثقة بين الحليفين، وجهاً مقابلاً لاهتزاز ثقة شركاء المنطقة في المظلة الأمريكية، لتغدو الثقة المتصدّعة سمةً تطبع المشهد من طرفيه.
وإذا كان تصدّع الثقة هو الوجه السياسي للإخفاق، فإن وجهه الإستراتيجي الأعمق يتمثل في منح طهران مكاسب توازن بها خسائرها الاقتصادية والسياسية وعلى رأسها اتساع فجوة الثقة مع محيطها، فبحسب تقييمات الاستخبارات الأمريكية التي اطّلعت عليها شبكة CNN عبر مصادر متعددة، أثبتت إيران خلال الحرب قدرتها الفعلية على إغلاق المضيق، وباتت قادرة على تكرار ذلك متى شاءت، ولخّص أحد المصادر المطّلعة على تلك التقييمات المشهد بعبارة دالّة حين قال: إن واشنطن «منحت إيران سيطرة فعلية على المضيق، وهي سلاح أقوى من أي قنبلة نووية»، فيما اعتبر مصدر مشارك في التخطيط العسكري أن فقدان السيطرة على المضيق هو «أكبر خطأ في هذه الحقبة»، وبهذا تكون الحرب قد خلصت إلى نتائج عكسية لما كان يراد منها فالحرب التي بدأت تحت ذريعة ايقاف سلاح إيران النووي، انتهت إلى تسليم الخصم دون قصد ورقة ردع تهدد بها الاقتصاد العالمي مباشرةً دون أن تستنزف قدراته، وقد عجلت هذه النتيجة بنقل الخطر الإيراني على الحلفاء من مرتبة الاحتمالية المؤجّلة -كما كان عليه الملف النووي والقدرات الصاروخية- إلى مرتبة الخطر الفعلي القائم بعدما تحوّلت سيطرة طهران على الممرات وقدرتها على استهداف البنية التحتية للطاقة من مستوى التهديد الفرضي إلى أمر واقع.
ولم يقف أثر هذا الخطأ الاستراتيجي عند هرمز، ومهد لفتح نقاش عالمي حول مجمل الممرات المائية التي تتكئ عليها التجارة الدولية وإمكانية تحولها من شريان تجاري إلى ورقة ضغط بين ليلة وضحاها، فباب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس وأحد أهم ممرات التجارة بين آسيا وأوروبا، بات مهدّداً عبر الأذرع الموالية لطهران، ومضيق ملقا، شريان آسيا الأول، يظلّ رهيناً لأي توتر بين القوى الكبرى في المستقبل، وتبقى مضائق إسطنبول والدردنيل خاضعةً لتوازنات خاصة، بينما تواجه قناة بنما خطراً من نوع آخر يفرضه الجفاف وتغيّر المناخ، وعن أسباب هذه الهشاشة ذهبت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية -المتخصصة في السياسة الخارجية والمحسوبة على المدرسة الواقعية- إلى أن ادعاء واشنطن الطويل بأن انتشارها العسكري الدائم في المنطقة يحمي التجارة العالمية بات يفقد مصداقيته بسرعة، وأن الإفراط الأمريكي في الانتشار الاستراتيجي أسهم نفسه في صناعة هذه الهشاشة، بما يتقاطع مع تحذير المنظمة البحرية الدولية من أن أي اضطراب في هذه النقاط ينعكس مباشرةً على التجارة والأمن الغذائي لشعوب بأكملها.
ويبقى الأهم في الوقت الحالي، من تفكيك ما جرى، قراءةُ الخطوات التي اتخذتها دول المنطقة في الاستجابة لتداعياته، فالواقع والنفوذ الجيوسياسي أبعد تأثيراً وأقوى من أي شيء، وقد شرعت المنطقة فيما يبدو بالانطلاق من هذا المبدأ الحاسم، عبر مسارين ملموسين أحدهما أمني-دفاعي والآخر جيواقتصادي، ويمثّل اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان الشاهد الأوضح على المسار الأول، وقد وُقّع في الرياض في سبتمبر 2025 انطلاقاً من شراكة تاريخية ممتدة لنحو ثمانية عقود، لينصّ بصريح العبارة على أن أي اعتداء على أي من البلدين يُعدّ اعتداءً عليهما معاً، ويهدف إلى تطوير جوانب التعاون الدفاعي وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وقد أعلنت وزارة الدفاع السعودية منتصف شهر إبريل 2026 وصول قوة عسكرية باكستانية ضمن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الموقعة بين البلدين، مكوّنة من طائرات مقاتلة ومساندة، إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية لتعزيز التنسيق العسكري ورفع مستوى الجاهزية العملياتية بين البلدين، في توقيت يكشف استشعار المنطقة حاجتها إلى ترسيخ قدراتها الذاتية الجماعية.
وقد أفادت تقارير نقلتها صحيفة «عكاظ» السعودية عن وكالة «بلومبيرغ» عن سعي تركيا للانضمام إلى هذه الاتفاقية، مشيرةً إلى تصريحات نائب رئيس الوزراء الباكستاني مطلع أكتوبر من عام 2025 بأن دولاً أبدت رغبتها في ذلك، وفي تطور لاحق، صرّح وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني في يناير 2026 بأن السعودية وباكستان وتركيا أعدّت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرت نحو عام، موضحاً أن هذا الاتفاق الثلاثي المحتمل منفصل عن الاتفاق الثنائي السعودي-الباكستاني المعلن بما يوحي بنواة محتملة لترتيب أمني إقليمي أوسع، وضمن هذا المسار توجهت دولة قطر نحو تنويع مصادر القوة بعد أن وقّعت مع إندونيسيا مطلع يونيو 2026 بيان نوايا للتعاون الدفاعي يمهّد لاتفاقية تعاون دفاعي أشمل قيد الصياغة، تشمل التدريب والتعليم والصناعة العسكرية، رافقه توقيع مشروع مشترك بين شركتي «ريببليكورب» الإندونيسية و«برزان» القطرية لتطوير وبناء منظومات تسليح.
ويُسند هذا التوجّهَ برهانٌ كمّي صريح، فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، في تقريره الصادر في أبريل 2026 حول الإنفاق العسكري العالمي الذي بلغ اجماليه 2.887 تريليون دولار خلال عام 2025، وبينما تراجع الإنفاق الأمريكي بنسبة 7.5 %، قفز الإنفاق الأوروبي 14 % والآسيوي- الأوقيانوسي 8.1 %- وهي أعلى وتيرة نمو سنوية في آسيا منذ عام 2009، والمعهد نفسه ينسب هذا الاندفاع الآسيوي إلى عاملين متلازمين، التوترات الإقليمية القائمة وتنامي عدم اليقين حيال الدعم الأمريكي، وهذه القفزة المتزامنة في قارتين تتجاوز حدود المصادفة لتغدو مؤشراً على تآكل مفهوم المظلات الأمنية العابرة للقارات، فحين تتذبذب سياسة الراعي بين الاندفاع والانكفاء، تترجم القوى تقديرها للمخاطر إلى تخصيص للموارد، وهو مؤشر بنيوي مرشّح للتعمق لا للانحسار.
ولا يقف هذا التحول عند حجم الإنفاق، فطبيعته أشد دلالة من حجمه، تُجمع مراكز الدراسات الاستراتيجية الكبرى -من مجلس العلاقات الخارجية إلى مؤسسة كارنيغي ومعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (IISS)- على أن العالم دخل دورة تسليح ممتدة هي الأطول منذ الحرب الباردة، يقوم عمادها على ما يسمّيه مجلس العلاقات الخارجية «الكتلة الدقيقة» (precise mass): المسيّرات منخفضة الكلفة، ومنظومات الدفاع الجوي الطبقية، والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي العملياتي، في تجاوزٍ لعصر الدبابة نحو عالم الأنظمة الغير مأهولة، وقد كشفت حرب 2026 -التي وصفها المجلس بأنها أولى حروب المسيّرات والذكاء الاصطناعي بالمعنى الكامل- «معضلة تبادل الكلفة» التي تربك القوى الكبرى نفسها: صاروخ اعتراضي بملايين الدولارات في مواجهة مسيّرة لا تكلّف من الوقت والمال الا القليل. وهذا المعطى يرفع التحصين التقني الذاتي من مرتبة الخيار إلى مرتبة الضرورة، ويجعل القدرة على التصنيع والابتكار -قبل القدرة على الشراء- هي الفيصل في معادلة الردع المقبلة.
أما المسار الجيواقتصادي فيتجلّى في إحياء فكرة الربط البرّي بين الخليج وأوروبا، وهي فكرة عتيقة تستعيد وظيفة جغرافية أدّتها شبه الجزيرة العربية منذ القدم جسراً بين البحار والقارات، من طريق البخور والتوابل الذي ربط جنوبها بالمتوسط عبر أكثر من 2000 كيلومتر، إلى مشروع سكة حديد الحجاز مطلع القرن العشرين الذي ربط دمشق بالمدينة المنورة على امتداد نحو 1322 كيلومتراً، وهي الفكرة التي تفرض نفسها اليوم كواقع، فقد وقّعت السعودية وتركيا في الرياض في التاسع من يونيو 2026 مذكرتي تفاهم في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية، وصفتهما التقارير بأنهما خطوة نحو تطوير ممر برّي يربط الخليج بأوروبا عبر سوريا والأردن وتركيا، مع تصوّر لتمديده جنوباً إلى عُمان والمحيط، بما يوفّر بديلاً عن الممرات البحرية الحسّاسة، وقد أوضح وزير النقل التركي عبدالقادر أورال أوغلو أن المرحلة الأولى تربط تركيا بحلب، وأن خط حلب- دمشق- الأردن قائم بالفعل، وأن الهدف النهائي تمديد الخط إلى سلطنة عُمان وربطه بالمحيط لتوفير بديل لمضيق هرمز، مضيفاً أن المشروع لو كان مكتملاً مع طريق التنمية العراقي لما تحدّث العالم عن هرمز بهذا القدر.
ويتقاطع هذا المسار مع شبكة أوسع، أبرزها طريق التنمية الممتد نحو 1200 كيلومتر من ميناء الفاو العراقي إلى الحدود التركية ، بما ينسج منظومة ممرات متكاملة تجمع الطرق والسكك وخطوط الطاقة والاتصالات، ويستند هذا المشروع الحيوي إلى قاعدة خليجية ترفده، فقد وافق مجلس الوزراء السعودي في مايو 2026 على اعتماد الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بشبكة سكة الحديد، بما يجعل الربط الخليجي رافداً مباشراً للممر الأوسع نحو أوروبا، ويعزّز موقع السعودية كنقطةَ ارتكاز لوجستية تجمع العمق الخليجي بالقارة الأوروبية. ولم يقتصر هذا التوجّه على حركة التجارة التقليدية، فقد سبق الأمر إلى البنية الرقمية عبر مشروع «سيلك لينك» الذي تم الإعلان عنه بدمشق في فبراير 2026 بين شركة الاتصالات السعودية (stc) والجانب السوري لمدّ شبكة ألياف بصرية عبر العمق السوري تجعل من سوريا نقطة عبور للبيانات بين آسيا وأوروبا.
وتتضافر المكتسبات لتبرهن على جدوى الحلّ الجغرافي فعلى مستوى الممر التجاري، تشير تحليلات اقتصادية إلى أن المسار البرّي قد يخفض زمن الشحن بين الخليج وأوروبا من نحو 15 يوماً عبر الطرق البحرية إلى أيام معدودة، مع خفض ملموس في الكلفة على البضائع عالية القيمة والحسّاسة زمنياً، وقد أثبتت رحلتان تجريبيتان عبر العراق كفاءة المسار عملياً. ويتيح الخط نقل البضائع والنفط والغاز والركاب في آن واحد، بما يجعله شرياناً متعدد الوظائف، أما على المستوى الرقمي، فيختصر مشروع «سيلك لينك» زمن الربط بين آسيا وأوروبا بنسبة تتراوح بين 25 و30 بالمئة عبر شبكة ألياف تتجاوز 4500 كيلومتر، فيتحوّل الموقع الجغرافي ذاته إلى ميزة في سرعة البيانات وحركة التجارة.
وفي المقابل، يكفي أن تعرف أن مضيق هرمز وحده يمثل نقطة عبور لنحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومنتجاته عبر نقطة اختناق واحدة محدودة البدائل، وأن اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب منذ 2023 رفعت كلفة الشحن وأطالت زمن الرحلات، حتى تتبيّن المفارقة التي تجمع الشرق الأوسط وأوروبا، فهما الطرفان الأكثر تضرراً من اضطراب الممرات البحرية، وهما في الوقت ذاته الأقدر على تجاوزه، حيث يملكان بين أيديهما حلاً برّياً ورقمياً مباشراً يصل أحدهما بالآخر دون المرور بنقاط الاختناق البعيدة، فالعمق الطبيعي للمنطقة يمتدّ من أوروبا شمالاً إلى إفريقيا جنوباً عبر البحر الأحمر وموانئه، والمنطق الجيوسياسي السليم يرتّب المصالح وفق بديهيات وأولويات لا يمكن تجاهلها، تبدأ من تطوير القدرات الذاتية وتحصين العمق الداخلي، ثم المحيط الإقليمي المباشر، فالامتدادات القارية المتاحة، قبل أي رهانات أخرى. مما يؤكد أن أمن المنطقة واقتصادها مرهونان بفهم الواقع الجيوسياسي قبل أي شيء، وبحلحلة العقبات وتقريب وجهات النظر بين أطرافه، والبناء على الدروس التي خلّفتها الأزمة لتجاوزها نحو اكتفاء ذاتي يصنع استقراره الأمني والاقتصادي بأقل قدر ممكن من المخاطر والتقلبات السياسية.
ولم تغب الدلالة الاستراتيجية لهذه الخطوات عن إسرائيل، فقد رأت صحيفة يديعوت أحرونوت أن المشروع التركي-السعودي عبر سوريا والأردن «يتجاوز إسرائيل» وينافس الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) الذي تدعمه تل أبيب وينتهي بميناء حيفا، إذ يتيح نقل البضائع بين آسيا وأوروبا دون المرور بالأراضي الإسرائيلية، بما يقلّص الدور الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه مركزاً للتجارة بين القارتين، ورأت الصحيفة أن التنافس بين المشروعين يعكس صراعاً متزايداً على رسم خرائط طرق التجارة البديلة للممرات البحرية المهدّدة.
تتقاطع هذه المسارات عند نتيجة واحدة: إعادة تشكّل شبكات الأمان والمصلحة على نحو يؤسس لمفهوم «التحوّط الاستراتيجي المتعدد»، حيث يستبعد المشهد فكرة استبدال راعٍ أمريكي براعٍ آخر، صيني أو روسي، ليقوم عوضاً عنها على تعددية الشركاء، وتحقيق السيادة اللوجستية، وهذه الشبكة، بطبيعتها المتشابكة، تشكّل كابحاً يحدّ من قدرة أي طرف -بما في ذلك النظام الإيراني المستفيد من شرعية دولية مستجدة- على استثمار اللحظة في فكرة تصدير مشروعها، وفيما يتجاوز الترتيبات والممرات، كشفت الحرب وزناً واعتباراً للشركاء الإقليميين في معادلة القرار، فامتناع أغلب دول المنطقة عن التورط العسكري المباشر، بقرار سيادي مدروس، والوساطات الإقليمية التي رافقت مسار التهدئة، شكّلا عاملاً مرجّحاً في كبح التصعيد ودفع الأطراف نحو طاولة الحوار، وهو ما اضطرت واشنطن إلى تقديره بعدما تبيّن أن حلفاءها أصحاب مصلحة ولهم في الوقت نفسه حساباتهم المستقلة وثقل دبلوماسي، وفي هذا ما يستدعي قراءة هادئة من طهران أيضاً، فالرصيد الذي راكمته دول الجوار في تهدئة الأزمة بحكمة تجاوزت خلط الملفات يمثّل ضماناً لمصلحتها هي قبل غيرها، وركيزةً للاستقرار جديرة بأن يُبنى عليها.
ويبقى السؤال الأعمق متصلاً بإعادة ترتيب سُلّم التهديد المُدرَك في المنطقة. فحين يأتي ما يقلق أمن المنطقة من فضاء كان يُفترض أنه خارج دائرة الخطر، وحين يتحوّل الرهان على المظلة الواحدة إلى مصدر انكشاف، تُعاد قراءة خريطة التهديد بمعايير موضوعية منفكة عن العواطف، وقد وثّقت المصادر الغربية أن كلفة الحرب الأخيرة تجاوزت الميدان لتطال صورة من بادر إليها، في المنطقة وفي الغرب على السواء.
ولا تنتهي هذه القراءة إلى أحكام قاطعة، وإنما إلى أسئلة تفرضها المرحلة. فهل تتجه طهران إلى انضباط يحمي عوائد الاتفاق، أم تتخذه مظلة لإعادة بناء النفوذ؟ والجواب رهنٌ بصرامة آليات التحقق المؤجلة إلى تفاوض لاحق، وهل تتحول المحاور المستقلة على الصعيد الأمني والاقتصادي من ترتيبات ظرفية إلى هياكل دائمة وجسور بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وأوروبا؟ وكيف يُعاد صوغ العقائد الأمنية في المنطقة بعدما تأكد أن القوة التي تتجاهل حساب عواقب استخدامها تثبت واقع الخرائط بدلاً من إعادة رسمها.
ويبقى الدرس الجامع لما بعد جنيف أن الجغرافيا تستعيد أولويتها على الإرادات العابرة، فالتاريخ مليء بالشواهد التي تسقط مبدأ الأحادية ويؤكد أن الترتيبات الكبرى التي غيّرت موازين القوى، كما جرى مع الاتحاد السوفيتي، جاءت نتيجة اصطفاف دولي طويل وتنسيق جماعي، ومن بعد جنيف ستجد واشنطن نفسها، مدفوعةً بنيوياً للعودة إلى منطق التحالف، وهو المنطق ذاته المتاح لطهران، التي تكمن مصلحتها في الاندماج التعاوني بدائرتها الأقرب أكثر مما تكمن في مدّ النفوذ بعيداً عنها، والمنتصر في نهاية المطاف هو الأعمق فهماً للواقع الجيوسياسي والأقدر على البناء على ثوابته، قبل أن يكون الأقوى تسليحاً، ومن يقرأ الجغرافيا جيداً يقرأ المستقبل.