د.محمد بن عبدالرحمن البشر
في عصور مضت كانت الزراعة هي المجال الرئيسي وإلهام في التوظيف، ويعمل بها في بعض البلاد نحو من سبعين بالمائة، وهذا ليس بغريب فمتطلبات الفرد في ذلك الزمن لغالبية السكان قطعة خبز بر أو شعير، أو أرز في البلاد ذات الأمطار الغزيرة والمعتادة على ان يكون الأرز غذاءها الرئيس، ومن ضمن المتطلبات قليل من الملابس التي تكفي لتغطية الجسم، مهما كانت المادة التي تنسج منها تلك الملابس، هذه متطلبات غالبية تلك الأجيال، ومازلنا نجد حتى الآن في بلاد مثل الهند، أو بنجلادش، أو باكستان من يزرعون ليأكلون فلديهم اكتفاء ذاتي من زراعة قطعة أرض ورثوها من أجدادهم، كما يحصلون على القليل من المال من قريب أو صديق يعمل في الخارج أو الداخل يساعدهم في شراء الملابس وغيرها، لكن المهم لديهم أن هناك كمية كافية من الغذاء تسد الرمق.
دخلت الآلة في حياتنا، ومن ضمنها الآلات الزراعية، فأصبح راسمي السياسة يفكرون فيما يمكن ان ينتج من ذلك الإحلال الكبير للآلة بدلاً من البشر، وأخذ الكتاب يكتبون الصفحات تلو الصفحات محذرين من أثر اجتماعي كبير بسبب ذلك الإحلال، وسار الزمن دون أن يلتفت الواقع إلى تلك المحاذير والأصوات، ودخلت الآلة في كل الدول الغنية والفقيرة، والصغيرة والكبيرة، والمتقدمة والنامية، ولم يحدث ما كان يخشى، ولم يقع ما حذر منه أولي النهى.
وتم انتقال جزء من تلك اليد العاملة التي حلت محلها الآلة إلى مجالات أخرى مثل الخدمات أو الصناعة أو التجارة، فالآلة تحتاج إلى صيانة وقطع غيار ومحروقات ووسائل نقل، وهذه تحتاج إلى عمالة فانتقل ذلك الجزء الذي امتهن الزراعة إلى مهنة أخرى تتطلب مهارة أكثر، كما أنها أيضا أخذت جزءا من أولئك العاملين ونقلتهم إلى المدينة، فأخذت المدينة تكبر والمناطق الزراعية يقل عدد سكان، فظهرت مشكلة كبيرة تؤرق أعين الساسة في بعض البلاد، وهي الهجرة من القرية إلى المدينة، وحدث هذا في الصين في بداية الانطلاقة الصناعية لكنهم استطاعوا الحد منها بنقل جزء من الصناعة إلى تلك القرى، فتكونت مدناً صناعية كبيرة على انقاض قرى زراعية. عندما بدأ الحاسب الآلي خطواته الأولى، تحدث الناس كثيراً عن فقدان وظائف معينه مثل المحاسبة، والسكرتارية، والأرشفة، وغيرها، وفي الحقيقة ان الطلب عليها قل مع مرور تطور الحاسب وتنوع تطبيقاته، لكن ظل الكثير منها مطلوباً، كما ان شخصاً واحدًا يمكن من خلال جهازه أن يقوم بأكثر من مهمة، غير أن عدداً من الوظائف وجدت، وتم إنشاء كليات متخصصة في الحاسب الآلي، وتطورت استخداماته وزاد عدد المستخدمين له فارتفعت كفاءة الإنتاج، للفرد الواحد، ومن المفترض أن تنخفض تكلفة السلع المنتجة، لكن الواقع يحكي غير ذلك لأسباب أخرى متداخلة ليس هذا المقال بصدد الحديث عنها.
اليوم بدأ الذكاء الاصطناعي والإنسان الآلي، وما زال في بدايته، لكن لا أحد يشك في انه سيسير بسرعة كبيرة ليكون جزء من حياتنا العملية، بدرجة أكبر مما نراه اليوم، وقد نستغني عن العمل في المطبخ، والتمريض، والترجمة، وحتى الاستشارات القانونية، والفتاوى الدينية، وقد نجد انفسنا مخدومين في حياتنا اليومية بأجهزة بدلاً من البشر، وهذا يعني ان هذه الاختراعات انتقلت من مرحلة القيام بالمهام المكتبية الوظيفية إلى ما هو أكثر، وهو تقديم الخدمة المباشرة واليومية للبشر، فهو فسيقوم بالطبخ وإعداد القهوة والشاي والتنظيف والكنس، إلى غير ذلك من الخدمات المنزلية، أما في المصانع فسيشكل نقلة كبيرة جدًا، وسيفقد الكثير من عمال المصانع عملهم المصنعي، والانتقال إلى عمل آخر ستؤكده متطلبات الحياة التي لا تتوقف عن التوسع.