د. يحيى جابر
على امتداد جبال السروات الشاهقة، وبين المدرجات الزراعية التي نحتها الإنسان في الجبال قبل مئات السنين، وربما آلاف السنين، كتبت المرأة العسيرية فصولاً طويلة من تاريخ الزراعة في جنوب الجزيرة العربية، لم تكن المرأة في عسير مجرد مساعدة للرجل الصلب في أعمال الحقول، بل كانت جزءاً أساسياً من منظومة اقتصادية واجتماعية حافظت على استقرار المجتمعات الزراعية عبر قرون متعاقبة، من خلال مشاركتها في الزراعة والرعي وإدارة الموارد الطبيعية وحفظ البذور وتصنيع الغذاء، أسهمت في بناء واحدة من أعرق البيئات الزراعية في المملكة العربية السعودية.
وتؤكد الشواهد التاريخية والأثرية أن المرتفعات الجنوبية الغربية من المملكة، وفي مقدمتها منطقة عسير، تُعد من أقدم مناطق الاستقرار الزراعي في شبه الجزيرة العربية، إذ تشير دراسات هيئة التراث السعودية إلى وجود مستوطنات بشرية ومواقع زراعية تعود إلى فترات ما قبل الإسلام بقرون عديدة، فيما تشير أبحاث متخصصة في تاريخ جنوب الجزيرة العربية إلى أن الزراعة المروية والمدرجات الجبلية كانت معروفة في المنطقة منذ أكثر من ألفي عام، «المصدر: هيئة التراث السعودية، دراسات آثار جنوب غرب المملكة، 2023؛ جامعة الملك سعود، أبحاث تاريخ الاستيطان البشري والزراعي في جنوب الجزيرة العربية».
وفي تلك الأزمنة المبكرة، لم تكن الزراعة نشاطاً اقتصادياً فحسب، بل كانت أسلوب حياة متكاملاً، وقد تشكلت الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع الزراعي وفق احتياجات الأرض والمواسم، فبرزت المرأة العسيرية باعتبارها عنصراً محورياً في دورة الإنتاج الغذائي، وتشير الدراسات الأنثروبولوجية الخاصة بالمجتمعات الريفية في جنوب المملكة إلى أن المرأة شاركت تاريخياً في تجهيز البذور، والزراعة، والحصاد، وتجفيف المحاصيل، وتخزينها، وإعداد الغذاء، وهي مهام تمثل معظم حلقات سلسلة الإنتاج الزراعي التقليدي، «المصدر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المجتمع الريفي التقليدي في جنوب المملكة، 2021».
وتُعد المدرجات الزراعية إحدى أبرز الشواهد على هذا الإرث، ففي محافظة رجال ألمع وحدها تنتشر آلاف المدرجات الحجرية التي صمدت أمام عوامل الزمن لمئات السنين، وتشير دراسة علمية أعدتها جامعة الملك خالد عام 2022، إلى أن هذه المدرجات لم تكن مجرد وسيلة لزيادة المساحات الزراعية، بل شكلت نظاماً هندسياً متكاملاً لحفظ التربة وتقليل الانجراف والاستفادة القصوى من مياه الأمطار، «المصدر: جامعة الملك خالد، دراسة المدرجات الزراعية بمنطقة عسير، 2022».
وكانت المرأة شريكاً في الحفاظ على هذه المنظومة الزراعية، فإلى جانب مشاركتها في الأعمال الحقلية، كانت تسهم في صيانة المدرجات الزراعية البسيطة، وإزالة الحشائش الضارة، وتنظيم عمليات الحصاد والتخزين، وقد أسهم هذا الدور في استمرارية الزراعة الجبلية لعقود طويلة رغم صعوبة التضاريس وندرة الموارد، كما وتشير وزارة البيئة، إلى أن منطقة عسير تُعد حتى اليوم من أهم المناطق الزراعية في المملكة، حيث تتميز بتنوع مناخي وتضاريسي مكّنها من إنتاج الحبوب والخضروات والفواكه والمحاصيل العطرية والنباتات الطبية، «المصدر: وزارة البيئة والمياه والزراعة، الكتاب الإحصائي الزراعي السنوي، 2024».
وتاريخياً، كانت الذرة الرفيعة والدخن والشعير والقمح من أهم المحاصيل التي اعتمد عليها سكان عسير، وتوضح دراسات جغرافية زراعية أن الذرة الرفيعة ظلت لعقود طويلة المحصول الغذائي الأول في المرتفعات الجنوبية، وكانت تشكل مع الدخن أساس الغذاء اليومي للأسر الريفية، «المصدر: جامعة الملك خالد، دراسة جغرافية المحاصيل الزراعية في عسير، 2023».
وفي هذا السياق لعبت المرأة دوراً محورياً في جميع مراحل إنتاج هذه المحاصيل، فبعد الحصاد كانت تتولى تجفيف السنابل وفرز الحبوب وتخزينها في أوعية خاصة تضمن الحفاظ عليها لفترات طويلة، كما كانت مسؤولة عن طحن الحبوب وإعداد الأغذية التقليدية التي اعتمد عليها سكان المنطقة عبر أجيال متعاقبة.
ومن أهم الأدوار التي اضطلعت بها المرأة العسيرية تاريخياً حفظ البذور المحلية، وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن النساء في المجتمعات الزراعية التقليدية يُعدن من أهم الحافظات للموارد الوراثية الزراعية، نظراً لدورهن في اختيار البذور وتخزينها وإعادة زراعتها موسماً بعد آخر، «المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تقرير التنوع الحيوي الزراعي، 2022».
وقد أسهم هذا الدور في المحافظة على أصناف محلية من الذرة والدخن والبقوليات والفواكه تكيفت مع البيئة الجبلية لعسير عبر قرون طويلة، واليوم تعد هذه الأصناف جزءاً من التراث الزراعي الوطني الذي تعمل الجهات المختصة على توثيقه وحمايته.
ولم تقتصر مساهمة المرأة على الزراعة النباتية، بل امتدت إلى الثروة الحيوانية التي شكلت ركناً أساسياً من اقتصاد القرى العسيرية، فقد كانت المرأة تتولى رعاية الأغنام والماعز والأبقار، وإنتاج الحليب والسمن واللبن والأجبان، وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن النساء الريفيات يسهمن عالمياً في إدارة نسبة كبيرة من الثروة الحيوانية الصغيرة، خصوصاً في المجتمعات الجبلية والريفية «المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حالة المرأة في النظم الزراعية والغذائية، 2023».
كما ارتبطت المرأة العسيرية بإدارة الموارد الطبيعية، وخاصة المياه، ففي بيئة تعتمد على الأمطار الموسمية، كانت معرفة مواسم المطر واتجاهات السحب وأوقات الزراعة تمثل ثروة معرفية متوارثة، وتشير دراسات التراث الزراعي في جنوب المملكة إلى أن النساء شاركن في نقل هذه المعارف البيئية والزراعية بين الأجيال، ما أسهم في استدامة النشاط الزراعي لعقود طويلة، «المصدر: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، التراث البيئي والزراعي في جنوب المملكة، 2022».
ومن الناحية الاقتصادية، أسهمت المرأة في دعم دخل الأسرة الريفية من خلال بيع الفائض من المنتجات الزراعية والحيوانية، فقد كانت الأسواق الشعبية التاريخية في أبها وخميس مشيط ورجال ألمع محطات مهمة لتسويق الحبوب والسمن والعسل والفواكه المجففة وغيرها من المنتجات المحلية، «المصدر: هيئة التراث السعودية، الأسواق التاريخية في المملكة، 2023».
وتبرز أهمية هذا الدور عند النظر إلى الأرقام العالمية، فبحسب منظمة الأغذية والزراعة، تمثل النساء نحو 36 % من القوى العاملة في النظم الزراعية والغذائية على مستوى العالم، بينما ترتفع هذه النسبة في بعض المجتمعات الريفية إلى ما يقارب النصف، كما تشير المنظمة إلى أن تمكين المرأة الريفية يسهم مباشرة في رفع الإنتاج الزراعي وتحسين الأمن الغذائي وتقليل معدلات الفقر، «المصدر: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، حالة المرأة في النظم الزراعية والغذائية، 2023».
وفي العصر الحديث لم ينقطع ارتباط المرأة العسيرية بالزراعة، بل تطور ليواكب التحولات الاقتصادية والتنموية التي تشهدها المملكة، فقد أصبحت المرأة تشارك في مشاريع البن العربي والعسل والصناعات الغذائية الريفية والمشروعات الزراعية الصغيرة والمتوسطة.
ويُعد البن العربي أحد أبرز الأمثلة على هذا التطور، وتشير بيانات برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة إلى أن المملكة تستهدف زراعة أكثر من 2,5 مليون شجرة بن عربي في مناطق جازان وعسير والباحة، مع دعم المزارعين والمزارعات لرفع جودة الإنتاج وزيادة العائد الاقتصادي، «المصدر: برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف»، وزارة البيئة والمياه والزراعة، 2024».
كما تشتهر عسير بإنتاج الرمان والتين والعنب والخوخ والمشمش، وهي محاصيل حافظت عليها الأسر الزراعية عبر أجيال متعاقبة، وتشير جامعة الملك خالد إلى أن التنوع المناخي في المنطقة جعلها من أغنى مناطق المملكة في التنوع الزراعي، حيث تنتج عشرات الأنواع من المحاصيل والفواكه الموسمية، «المصدر: جامعة الملك خالد، دراسة التنوع الزراعي في عسير، 2023».
إن المتأمل في تاريخ عسير يدرك أن المرأة لم تكن شاهدة على الزراعة فحسب، بل كانت إحدى صانعاتها، فمنذ قرون طويلة وهي تحمل البذور، وتشارك في الحصاد، وتحفظ الغذاء، وترعى الماشية، وتنقل المعرفة الزراعية من جيل إلى جيل، ولولا هذا الدور المتراكم لما استمرت كثير من الأنظمة الزراعية التقليدية التي ما زالت حاضرة في المنطقة حتى اليوم.
ولهذا فإن المرأة في عسير ليست مجرد شريك في الزراعة، بل هي جزء من تاريخ الأرض نفسها؛ تاريخ كُتب على المدرجات الزراعية في الجبال وغيرها، وحُفظ في مواسم الحصاد، وتوارثته الأجيال جيلاً بعد جيل، إنها شريك رئيسي في بناء الأمن الغذائي، وصانعة لإرث زراعي وثقافي واقتصادي ما زال يشكل أحد أهم ملامح الهوية العسيرية والموروث الوطني السعودي.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام