د. ياسين علي محمد عزي
«المملكة العربية السعودية هي أكبر قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين».
بهذه العبارة الواثقة تحدث سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في مقابلته مع الصحفي الأمريكي بريت باير على قناة فوكس نيوز في سبتمبر 2023، واضعًا أمام العالم توصيفًا بدا آنذاك جريئًا في لغته، لكنه كان يعكس في جوهره قراءة مبكرة لمسار وطن يعيش واحدة من أكثر لحظات تحوله عمقًا في تاريخه الحديث. وبعد أقل من ثلاثة أعوام فقط، جاء تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية في لوزان ليضع المملكة في المرتبة الثالثة عشرة عالميًا، والثالثة بين دول مجموعة العشرين، وكأن العالم بدأ، بلغة الأرقام التي لا تعرف المجاملة، يترجم ما عبّرت عنه القيادة السعودية مبكرًا بلغة الثقة واليقين.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة لا تكمن في الرقم وحده، ولا في التقدم الذي حققته المملكة داخل مؤشرات الاقتصاد العالمي فحسب، بل في الدلالة الأعمق التي يحملها هذا المشهد كله.
فالسعودية الجديدة لم تعد تخوض سباق التنمية بمنطق الاقتصاد التقليدي الذي تقاس فيه الدول بما تختزنه أرضها من موارد، بل أخذت تبني نموذجًا مختلفًا تتقدم فيه المعرفة إلى قلب المعادلة الوطنية، ويصبح الإنسان -بما يملكه من وعي وقدرة وابتكار- الثروة الأكثر أهمية في مشروع الدولة ومستقبلها.
ولعل هذه هي الزاوية التي تجعل التجربة السعودية اليوم جديرة بالتأمل؛ لأن ما يجري أمامنا لم يعد مجرد إصلاحات اقتصادية متفرقة، بل تحول حضاري واسع يعيد تعريف معنى القوة ذاتها في القرن الحادي والعشرين. فالعالم الذي كان يقيس الدول يومًا بالنفط والمال والجغرافيا، بات اليوم يعيد ترتيب موازينه وفق معيار آخر أكثر عمقًا: من يملك المعرفة، ومن يستطيع تحويلها إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات أكثر كفاءة، وإنسان أكثر قدرة على صناعة المستقبل.
فالقيادة، في معناها الأعمق، لا تختبر فقط بقدرتها على إدارة الحاضر، وإنما بقدرتها على استشراف ما لم يصل إليه الآخرون بعد. والقادة الاستثنائيون لا ينظرون إلى أوطانهم كما تبدو في لحظتها الراهنة، بل كما يمكن أن تصبح عليه إذا أحسن استثمار الإنسان، وأعيد بناء المؤسسات، وتحول الطموح من فكرة ملهمة إلى فعل يومي متراكم.
ومن هنا لا يبدو ما حققته المملكة في تقرير التنافسية العالمية حدثًا منفصلًا عن سياقه، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ قبل سنوات حين قررت الدولة أن تعيد صياغة علاقتها بالمستقبل نفسه. لقد أدركت المملكة، في ظل رؤية 2030، أن العالم لم يعد يمنح مكانته للدول التي تملك الموارد فحسب، بل للدول التي تعرف كيف تحول مواردها إلى معرفة، ومعرفتها إلى إنتاج، وإنتاجها إلى قدرة مستدامة على المنافسة.
ولهذا فإن التحول السعودي الذي نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مشروعات عملاقة أو أرقام اقتصادية متصاعدة، لأن جوهره الحقيقي أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام تجربة اختارت أن تنتقل من اقتصاد يعتمد على ما تختزنه الأرض إلى اقتصاد يقوم على ما يستطيع الإنسان إنتاجه بعقله، ووعيه، وخبرته، وقدرته على الابتكار.
وفي هذا السياق تحديدًا يصبح الاقتصاد المعرفي أكثر من مجرد مفهوم اقتصادي حديث؛ إنه فلسفة جديدة لفهم التنمية ذاتها. فالثروة الحقيقية لم تعد فيما تملكه الدول تحت الأرض فقط، بل فيما تستطيع أن تبنيه فوقها من عقول قادرة على التفكير والإبداع وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة. ولهذا لم يكن مستغربًا أن يصبح التعليم، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، وتمكين الكفاءات الوطنية، جزءًا أساسيًا من المشهد السعودي الجديد؛ لأن الدول التي تريد موقعًا متقدمًا في المستقبل لم يعد أمامها سوى أن تستثمر في الإنسان بوصفه رأس المال الأكثر بقاءً وتأثيرًا.
ومن يتأمل المشهد السعودي اليوم يلاحظ بسهولة أن التحول الجاري لم يعد حبيس الخطط أو الوثائق الرسمية، بل أصبح واقعًا يلامس تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالمواطن الذي ينجز معاملته الحكومية في دقائق، ورائد الأعمال الذي يجد بيئة أكثر مرونة لبدء مشروعه، والطالب الذي يدخل فضاءً تعليميًا أكثر اتصالًا بمهارات المستقبل، والباحث الذي بات يرى المعرفة جزءًا من مشروع وطني أوسع، جميعهم يمثلون صورًا صغيرة لحكاية كبرى عنوانها أن التنمية الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان هو نقطة البداية والغاية في الوقت نفسه.
وهنا تكمن فرادة التجربة السعودية الحديثة؛ فهي لم تتعامل مع التنمية باعتبارها سباقًا مع الأرقام الدولية فقط، ولم تجعل التنافسية الاقتصادية غاية قائمة بذاتها، بل جعلت الإنسان جوهر المشروع الوطني كله. فالاقتصاد المعرفي، في معناه الحضاري، ليس مجرد انتقال من قطاع اقتصادي إلى آخر، بل انتقال في وعي الدولة نفسها؛ من دولة تعتمد على الموارد إلى دولة تبني قدرتها من خلال العقل البشري، والكفاءة، والابتكار، والمؤسسات التي تعرف كيف تحول المعرفة إلى أثر ملموس ومستدام.
ولعل ما يميز التجارب الكبرى في التاريخ أن الزمن يصبح جزءًا من اختبارها. فهناك فرق كبير بين خطاب يطلب من الناس أن تصدقه لحظة إطلاقه، وبين مشروع يترك للسنوات مهمة إثباته. وحين قال سمو ولي العهد إن المملكة هي أكبر قصة نجاح في القرن الحادي والعشرين، فإن السنوات التي تلت ذلك لم تترك العبارة معلقة في فضاء التصريحات، بل راحت تضيف إليها شاهدًا جديدًا كل مرة؛ في الاقتصاد، وفي الاستثمار، وفي جودة الحياة، وفي مكانة المملكة الدولية، وفي قدرتها المتزايدة على أن تكون لاعبًا مؤثرًا في رسم ملامح المستقبل العالمي لا مجرد متأثر به.
ولهذا، فإن قبول المملكة أن تضع نفسها باستمرار أمام مؤشرات القياس الدولية الأكثر صرامة ليس مجرد بحث عن تصنيف متقدم، بل إعلان عميق عن الثقة. فالدول التي تشك في مسارها تخشى المقارنة، أما الدول التي تعرف أين تمضي فإنها تفتح تجربتها للعالم لأنها تدرك أن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من التفسير؛ فالإنجاز الحقيقي، في نهاية الأمر، هو لغة تتحدث عن نفسها.
وفي نهاية المطاف، لا تأتي أهمية المرتبة الثالثة عشرة عالميًا من كونها رقمًا اقتصاديًا جديدًا يضاف إلى سجل الإنجازات الوطنية، بل لأنها تكشف شيئًا أكبر من الرقم ذاته؛ تكشف أن العالم بدأ يرى بأدواته ما رأته القيادة السعودية ببصيرتها قبل سنوات. وبين يقين القائد، وشهادة المؤسسات الدولية، تتشكل صورة وطن لا ينتظر المستقبل حتى يأتيه، بل يذهب إليه بنفسه، ويعيد تشكيله وفق إرادته وطموحه.
وربما لهذا لم تعد قصة السعودية اليوم تُقرأ بوصفها حكاية نمو اقتصادي فحسب، بل بوصفها قصة وطن أدرك مبكرًا أن المستقبل لا تمنحه الموارد وحدها، بل تصنعه العقول التي تعرف كيف تحول المعرفة إلى قوة، والطموح إلى فعل، والرؤية إلى واقع. وهكذا تمضي المملكة اليوم، لا بوصفها دولة تحقق إنجازات متلاحقة فحسب، بل بوصفها تجربة تثبت أن أعظم استثمار يمكن أن تراهن عليه الأمم ليس ما تحت الأرض، بل ما يتشكل فوقها من عقل ووعي وقدرة على تحويل الطموح إلى واقع يفرض احترامه على العالم.
** **
- أكاديمي وكاتب