د. طلال الحربي
من قلب روما، حيث يثقل التاريخ على كل حجر وتطل المدينة على ماضٍ كان يومًا مركزًا للعالم، اختُتمت أعمال نسخة 2026 من مؤتمر «مبادرة الاستثمار في أوروبا». لم يكن اختيار المكان مصادفة بلاغية؛ فالقارة التي صاغت قواعد النظام الدولي طوال قرون تجد نفسها اليوم أمام سؤال وجودي صريح: هل تظل صانعة للقواعد أم تتحول إلى متلقٍّ لها؟ على مدى يومين، في فندق روما كافالييري، اجتمع رؤساء دول وحكومات سابقون، وقادة صناديق سيادية، ومسؤولو مصارف عالمية، ورواد صناعة وتقنية، ليقاربوا هذا السؤال لا بوصفه تشخيصًا للأزمة، بل بحثًا عن مخرج عملي منها.
ما يمنح هذا المؤتمر ثقله ليس حشد الأسماء وحده، بل الجهة التي تقف خلفه. فالمبادرة، التي يرأسها معالي ياسر الرميان محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة أرامكو السعودية، لم تعد منصة للنقاش المجرد، بل أداة تربط رأس المال بالسياسة والابتكار في معادلة واحدة. وقد كان لافتًا أن تنعقد هذه النسخة على الأرض الأوروبية تحديدًا، في لحظة تعيد فيها القارة تعريف موقعها بين قطبَي الولايات المتحدة والصين، لتقدم الرؤية السعودية نفسها لا كشريك عابر، بل كطرف فاعل في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
ولا يستقيم فهم هذه المبادرة بمعزل عن منبتها الأصلي؛ فهي وليدة رؤية المملكة 2030، تكوَّنت في رحمها وحملت جينها التحويلي ذاته. ومن نافلة القول إن عرَّاب هذه الرؤية وصاحب مشروعها هو صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي حوَّل فكرة تنويع الاقتصاد من شعار إلى منظومة عمل ممتدة الأثر. وحين تتحول مبادرة سعودية المنشأ إلى منصة يلتقي عندها قادة أوروبا ليتدارسوا مستقبلهم، فإن ذلك بحد ذاته شهادة على نضج المشروع الوطني وانتقاله من مرحلة بناء الداخل إلى مرحلة التأثير في الخارج. لم تعد الرؤية مشروعًا تنمويًا محليًا فحسب، بل غدت لغة يخاطب بها الاقتصاد السعودي العالم، وأداة تصدِّر الأفكار .
في كلمته، لم يكتفِ الرميان بلغة النوايا، بل وضع أرقامًا على الطاولة. فقد كشف أن الصندوق ضخّ ما يقارب 98 مليار يورو في أوروبا والمملكة المتحدة منذ عام 2017، أسهمت في توليد نحو 70 مليار يورو من الناتج المحلي وخلق ما يزيد على 160 ألف وظيفة. ثم تجاوز ذلك إلى المستقبل حين أعلن أن الصندوق سيطرح 140 فرصة استثمارية أمام الشركاء الأوروبيين بقيمة تناهز 10.4 مليارات يورو حتى عام 2030. وفي هذا التحول من سرد الإنجاز إلى عرض الفرصة تكمن رسالة دقيقة: المملكة لا تأتي إلى أوروبا طالبةً، بل عارضةً لرأس مال صبور يبحث عن بيئة جديرة بالثقة.
وكان الحدث الأبرز على المستوى المؤسسي أول ظهور رئيسي لصاحبة السمو الملكي الأميرة الدكتورة مها بنت مشاري بن عبدالعزيز آل سعود بصفتها الرئيس التنفيذي للمبادرة، حين افتتحت اليوم الثاني بكلمة دعت فيها الحكومات والمستثمرين وقادة الأعمال إلى التعامل مع الأطر وخرائط الطريق التي خرج بها المؤتمر بوصفها التزامات لا توصيات، وإلى تحويل رأس المال إلى فعل، والفعل إلى أثر. وفي هذه الدعوة تكثيف لجوهر التحدي الأوروبي برمّته؛ فالقارة لا تعاني نقصًا في الأفكار ولا في الموارد، بل في الإرادة التي تنقلها من ورق الاجتماعات إلى أرض التنفيذ.
تردد هذا المعنى في كل جلسة تقريبًا. رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني صاغته في معادلة رباعية صريحة حين تحدثت عن حاجة أوروبا إلى استقلالية إستراتيجية وقدرة صناعية وسيادة تقنية وقوة مالية، في تجاوز واضح لصورة القارة بوصفها منصة تجارية وتنظيمية فحسب. أما رجل الأعمال ترافيس كالانيك، مؤسس «أوبر»، فقد وضع إصبعه على ما يمكن عدّه العقدة الأوروبية الكبرى: حين تتحول العملية التنظيمية إلى غاية في ذاتها، يتأخر ما هو نافع للناس عقدًا كاملًا، فتُختنق المنفعة بحجة حمايتها. وهي ملاحظة تلامس مفارقة مؤلمة، إذ إن مكامن قوة أوروبا في المعايير والثقة وصناعة القواعد هي نفسها، إن أُسيء توظيفها، الآلية التي تتنازل بها عن موقعها لمنافسين أسرع حركة.
ولم يغب البعد المؤسسي العميق عن النقاش. فقد ربطت النائبة في البرلمان الإسباني كاييتانا ألفاريز دي توليدو بين جودة المؤسسات وتدفق رأس المال طويل الأجل، مستندةً إلى الفكرة التي توّجت بجائزة نوبل لأسيموغلو، ومفادها أن الازدهار لا تصنعه الجغرافيا ولا الثقافة بقدر ما تصنعه المؤسسات؛ فالضرائب المنخفضة لا تنفع مع قضاء مُختطَف، والتنظيم الجيد يفقد معناه دون جهة تنفيذ مستقلة. وهذا التشخيص، وإن قيل في سياق أوروبي، يحمل دلالة عابرة للحدود لكل اقتصاد يطمح إلى استقطاب الاستثمار النوعي.
على محور الأمن، بدا أن المؤتمر يستوعب لحظة جيوسياسية جديدة، إذ يتحرك الاتحاد الأوروبي عبر خطة إعادة التسلح بقيمة 800 مليار يورو حتى عام 2029 . وهنا قدّم الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، تصورًا يرفض المفاضلة الزائفة بين السيادة والتحالف، مؤكدًا أن التعاون لا ينتقص من السيادة الوطنية، بل يعززها. فيما أضاف وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتو البعد الصناعي الملحّ، حين رأى أن العدو الأكبر لأي صناعة هو الزمن، وأن على أوروبا أن تختصر المسافة بين النموذج الأولي والإنتاج الفعلي.
أما في ملف الذكاء الاصطناعي، فقد جاوز النقاش لغة التنظيم إلى لغة السيطرة، إذ شرح إيدان غوميز، الرئيس التنفيذي لشركة «كوهير»، أن السيادة الحقيقية في هذا المجال تعني امتلاك البنية التحتية الكامنة خلفه؛ قدرات لا يستطيع أحد العبث بها أو الاطلاع على بياناتها أو إيقافها متى شاء. وهي مقاربة تكتسب وجاهتها من رقم صادم: أوروبا التي تنتج 18 بالمئة من الناتج العالمي لا تظفر إلا بجزء يسير من الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي، ما يحتّم عليها أن تعامل الرقائق والطاقة والحوسبة والبيانات بوصفها أصولًا وطنية لا تقل أهمية عن شبكات الكهرباء والنقل.
ولم يخلُ المشهد من جرعة تفاؤل مشروط. فقد اختُتمت أعمال المؤتمر بكلمات لرؤساء حكومات سابقين، كان أبلغها ما قاله ماتيو رينزي محذرًا من أن أوروبا، إن أهدرت الفرصة مجددًا، فإن مستقبلها سيغدو أشبه بمستقبل المتاحف؛ حاضرٌ من ماضٍ جميل لا حياة فيه. وبين هذا التحذير ودعوة ريتشارد أتياس إلى البحث عما يحل محل النموذج القديم الذي قام على أمن أمريكي وطاقة روسية وأسواق صينية، تتضح خلاصة روما: القارة تملك الموهبة والقيم والأدوات، وما ينقصها هو الإرادة.
إن أهمية ما طُرح في روما لا تنحصر في الشأن الأوروبي وحده. فالمملكة، بحضورها المؤسسي والمالي الكثيف، ومن خلال شراكات نوعية أُعلنت على هامش المؤتمر في التقنيات الإنشائية وإزالة الكربون والبنية الرقمية، إنما تترجم رؤيتها 2030 إلى فعل خارجي يتجاوز حدودها. وحين يقف صندوق سيادي خليجي شريكًا مؤسِّسًا لمنصة تناقش مستقبل قارة بأكملها، فإن ذلك يعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي بهدوء، بعيدًا عن صخب السياسة. ولعل الدرس الأعمق الذي تحمله روما إلى عالمنا العربي هو أن الطموح وحده لا يصنع الأثر؛ إذ تبقى المسافة الفاصلة بين خريطة الطريق وتنفيذها هي الاختبار الحقيقي للأمم، وهو الاختبار ذاته الذي وضعته المملكة نصب عينيها حين قررت أن تكون طرفًا في صياغة المستقبل لا متفرجًا عليه.