حذامي محجوب
لم يكن غياب المرشد الأعلى علي خامنئي مجرد حدث عابر في مسار الجمهورية الإسلامية، بل مثّل لحظة فاصلة وضعت نظام ولاية الفقيه أمام أصعب اختبار منذ تأسيسه إثر الثورة الإيرانية سنة 1979.
فالنظام الذي صاغ أسسه آية الله الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية»، لم يكتفِ بمنح السلطة السياسية غطاء دينيا، بل أعاد هندسة الدولة نفسها حول موقع المرشد، الذي تحوّل بعد تعديلات الدستور سنة 1989 إلى مركز الثقل الحقيقي في بنية الحكم.
فالمرشد لم يكن مجرد رمز ديني أو رئيس أعلى للدولة، بل أصبح محورا تتحرك حوله مفاصل القرار: قيادة القوات المسلحة، تعيين رؤساء السلطة القضائية، الإشراف على الإعلام الرسمي، والتأثير المباشر في السياسات الكبرى عبر مؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام. لذلك كان خامنئي طوال عقود أكثر من مجرد قائد، كان يمثل نقطة التوازن التي تربط بين المؤسسة الدينية، والأجهزة الأمنية، والحرس الثوري، وشبكة المصالح التي تشكلت حول النظام.
غير أن غياب الشخصية التي احتكرت هذا الدور كشف هشاشة البناء الداخلي للنظام، فسرعان ما ظهرت التناقضات المؤجلة بين مراكز القوة المختلفة: الحرس الثوري، رجال الدين في قم ومشهد، المؤسسات السياسية، والأجهزة الأمنية.
ذلك أن الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ على فصل واضح بين السلطات، بل على مزيج معقد من الشرعية الثورية، والمرجعية العقائدية، والقدرة على فرض النفوذ عبر أدوات القوة.
ومنذ أزمة انتخابات 2009 وحركة الاحتجاج المعروفة بـ«الحركة الخضراء»، مرورا باحتجاجات 2019، وصولا إلى موجة الغضب الشعبي بعد وفاة مهسا أميني سنة 2022، بدا أن النظام يعتمد أكثر فأكثر على أدوات الردع الأمني للحفاظ على تماسكه، مقابل تراجع قدرته على إنتاج قبول سياسي واسع.
وهنا عاد السؤال الذي ظل مؤجلا لعقود إلى الواجهة: هل تستطيع ولاية الفقيه أن تستمر بالصيغة نفسها بعد غياب الشخصية التي كرّست مركزيتها؟
لقد قامت قوة النظام الإيراني تاريخيا على توازن دقيق بين العقيدة والقوة. لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع صعود الحرس الثوري، الذي لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية أُنشئت لحماية الثورة، بل أصبح لاعبا سياسيا واقتصاديا وأمنيا يمتلك نفوذا واسعا داخل الدولة وخارجها.
فقد توسعت أدواره من المجال العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والأمن الإقليمي، وأصبح يمتلك شبكة نفوذ تجعل منه أحد أبرز مراكز القرار في إيران.
ومع غياب خامنئي، فقدت هذه المنظومة المرجعية التي كانت تضبط التوازنات بين مكوناتها، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراع نفوذ حقيقي حول مستقبل النظام: هل يبقى تحت قيادة دينية مركزية، أم يتحول تدريجيا نحو صيغة أكثر ارتباطا بالمؤسسة العسكرية والأمنية، حيث تصبح القوة هي الضامن الأساسي لاستمرار النظام؟
إلى جانب الصراع الداخلي، يواجه النظام تحديا اجتماعيا واقتصاديا عميقا.
فقد أدت العقوبات الدولية، وتراجع الموارد، والأزمات الاقتصادية المتراكمة إلى تضخم مرتفع، وضعف في القدرة الشرائية، وتراجع الثقة بين المجتمع والدولة.
كما أن أزمات مثل المياه والطاقة والبطالة لم تعد مجرد ملفات إدارية، بل أصبحت جزءا من أزمة أوسع تتعلق بشرعية النموذج السياسي نفسه.
فقطاعات واسعة من الإيرانيين، خصوصا الأجيال الشابة، لم تعد تنظر إلى الصراع باعتباره مجرد خلاف حول هوية المرشد القادم، بل حول طبيعة الدولة ومستقبلها، فالسؤال لم يعد فقط: من يحكم ؟، بل: كيف يُحكم البلد؟ وبأي عقد اجتماعي؟
ومع ذلك، فإن تفكك ولاية الفقيه - إن حدث - لن يكون بالضرورة لحظة سقوط مفاجئة، بل قد يكون مسارا تدريجيا يبدأ بتراجع نفوذ المرشد، أو بتحول موقعه إلى منصب أكثر رمزية، أو بصعود مراكز قرار متنافسة داخل النظام نفسه. فالتجارب التاريخية تُظهر أن الأنظمة العقائدية الكبرى لا تنهار دائما بفعل ضربة واحدة، بل تتآكل عندما تفقد قدرتها على تجديد شرعيتها والتكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية.
لذلك فإن مرحلة ما بعد خامنئي قد لا تعني نهاية الجمهورية الإسلامية فورا، لكنها تمثل بداية اختبار وجودي لها.
إنها لحظة تُطرح فيها أسئلة عميقة حول مستقبل العلاقة بين الدين والدولة، وبين المؤسسة العسكرية والمجتمع، وبين إرث الثورة ومتطلبات الدولة الحديثة.
لقد دخلت إيران مرحلة جديدة: مرحلة لم يعد فيها السؤال فقط عن بقاء النظام، بل عن قدرته على إعادة تعريف نفسه قبل أن تعيد التحولات الداخلية تعريفه.