إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
منذ أن خط الإنسان أولى جراحاته وأحلامه على جدران الكهوف العتيقة، لم يكن الفن مجرد ترف بصري أو محاولة لمجافاة الواقع، بل ولد من رحم الحاجة؛ الحاجة إلى البقاء، والاحتجاج، والتوثيق، وإيصال الصوت حين تخنق الوجوه غصات الصمت.
الفن في جوهره هو اللغة الأكثر إنسانية وعالمية، لغة تتجاوز حدود الجغرافيا، وتباين الألسن، واختلاف الثقافات. إنه المرآة السامية التي تعكس أدق التفاصيل الوجدانية للبشرية، حاملاً في طياته رسائل محبة وتضامن سلام، ومحولاً الألم الإنساني الصامت إلى ترنيمة بصرية تهز الضمير العالمي وتستدعي يقظته.
وعندما تضيق بالمرء الأرض بما رحبت، ويجد نفسه مقذوفاً في غياهب المجهول، تاركاً خلفه بيتاً دافئاً، وشارعاً يحفظ خطواته، ومستقبلاً بُني بحب، ليحمل لقب «لاجئ»، هنا تحديداً يتجلى الدور المحوري والعميق للفن. إن اللجوء ليس مجرد أرقام تُتلى في نشرات الأخبار أو إحصائيات تُدرج في التقارير الدولية هو حكايات تئن تحت وطأة الحرمان والانتظار. في هذا الفضاء الموحش، يأتي الفن ليعيد صياغة المشهد إنه يمنح اللاجئ صوتاً عندما تسقط الحروف ويتحول إلى فضاء حر يعيد تشكيل الهوية المفقودة ويلملم شتات الذكريات. الفن في سياق اللجوء ليس أداة للرسم فحسب، بل هو معول لهدم جدران العزلة، وجسر تعاطف يربط بين قلوب الذين فقدوا الأمان وبين بقية العالم الذي يراقب من بعيد.
من هنا، يبرز واجب الفنانين والمبدعين لا كصنّاع جمال فحسب إنما كسفراء للإنسانية يحملون على عواتقهم أمانة ثقيلة. إن الفنان الحقيقي هو من يملك عيناً تبصر وجع الآخرين وقلباً ينبض بنبضاتهم وفرشاة تترجم أنينهم إلى أمل. الفنانون هم حراس الذاكرة الإنسانية وعليهم يقع العبء الأكبر في تحويل قيم التعاطف والتكافل من مشاعر عابرة إلى مواقف فكرية وجمالية راسخة ليكونوا الصوت الصارخ لمن لا صوت له واليد الممتدة بالضوء في عتمة المنافي.
وفي تجسيد حي لهذه الفلسفة الإنسانية الراسخة احتفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بيوم اللاجئ العالمي، حيث احتضن قصر الثقافة بمدينة الرياض هذا الحدث الاستثنائي المعطر بعبير العطاء الإنساني. وذلك بحضور د. خالد خليفة (ممثل المفوضية) ونائبته د. نجية حفصة، وسعادة سفير سوريا أ. محسن مهباش، ونخبة من الشخصيات الدبلوماسية والثقافية، لم يكن الحفل مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، كان محفلاً تلاقت فيه الإرادات الإنسانية والفنية لتبعث برسالة تضامن كونية من قلب المملكة العربية السعودية إلى ملايين النازحين واللاجئين حول العالم.
وخلال الحفل، ألقى الدكتور خالد خليفة، ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كلمة قال فيها:
«في وقت يواجه فيه العالم تحديات نزوح غير مسبوقة، تبرز الشراكات القائمة على التضامن والمسؤولية المشتركة باعتبارها الركيزة الأساسية للاستجابة الإنسانية الفاعلة. ونحن في المفوضية نفخر بشراكتنا الوثيقة مع المملكة العربية السعودية، وبالتعاون المثمر مع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والصندوق السعودي للتنمية، اللذين أسهما في دعم ملايين اللاجئين والنازحين حول العالم. واليوم العالمي للاجئين لا يشكل فقط فرصة لإلقاء الضوء على معاناة اللاجئين وتكريم صمودهم، بل يحتفي أيضاً بالتزام الحكومات والشركاء بدعم جهود الاستجابة الإنسانية لأزمة النزوح القسري وتحويل قيم التعاطف والتكافل الإنساني إلى أثر ملموس يغيّر حياة الناس ويحفظ كرامتهم».
ومع كل قطرة حبر تُسكب وكل لون يمتد على جنبات تلك الجداريات واللوحات، يتضح هذا البُعد الإنساني الريادي والجهود الجبارة للمملكة على أرض الواقع؛ فالتعاطف في وجدان القيادة والشعب السعودي ليس مجرد شعار يُرفع بل منهج عمل، حيث يقف مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية كمنارة عالمية تمتد يدها بالخير لتصل إلى شريحة واسعة من المنكوبين واللاجئين، عبر تقديم المساعدات الإغاثية والطبية والغذائية العاجلة التي تعيد صياغة مفهوم الأمل.
وفي السياق ذاته، يأتي الدور التنموي المستدام الذي يضطلع به الصندوق السعودي للتنمية، والذي يسعى بدأب نحو تمويل المشاريع الحيوية من تعليم وصحة ومسكن في الدول المستضيفة للاجئين، مما يسهم بشكل مباشر في تحويل بيئات اللجوء القاسية إلى مساحات استقرار تمكّن ملايين النازحين من استعادة كرامتهم وبناء مستقبلهم من جديد.
ضمن هذا الاحتفاء افتتح المعرض الفني التشكيلي الذي شارك فيه عشرات الفنانين السعوديين والمقيمين في المملكة، والذين سخروا مواهبهم وأدواتهم ليتحول قصر الثقافة إلى رواق كوني يروي تفاصيل المعاناة والوجع ويشرع في الوقت ذاته نوافذ شاسعة نحو غدٍ أفضل. تجول الحضور بين ثنايا اللوحات التي تباينت مدارسها الفنية وأساليبها لكنها اتحدت جميعاً في نقل الرسالة العالمية الكبرى: صون الكرامة الإنسانية ونشر السلام، كانت لوحات المعرض بمثابة وثائق بصرية تنبض بالصدق والجمال فمن خطوط تصف قسوة الرحلة ووعثاء الطريق إلى ألوان دافئة تحاكي دفء الأوطان المفقودة وظلال تحكي قصص عيون الأطفال المترقبة لغدٍ آمن.
وقد عبرت الدكتورة مريم العيسى، المشرف العام على المعرض التشكيلي، في كلمتها عن الفلسفة التي قام عليها هذا التجمع الإبداعي قائلة:
«يشرفني أن أقف بينكم اليوم في هذا المعرض الإنساني الذي يجمع بين رسالة الفن ونداء الإنسانية حيث تتحول الألوان إلى لغة، والريشة إلى صوت يعبّر عن قصص ومعاناة وآمال اللاجئين حول العالم. إن الفن لم يكن يوماً مجرد لوحة تُعرض أو جمال يُرى، بل هو جسر للتواصل الإنساني، ووسيلة قادرة على ملامسة القلوب ونقل ما قد تعجز عنه الكلمات. ومن خلال هذه الأعمال الفنية، نقترب من قصص إنسانية لأشخاص فقدوا الأمان والاستقرار، لكنهم لم يفقدوا الأمل والحلم بمستقبل أفضل. قد لا نستطيع دائماً تغيير واقع كل إنسان يعاني، ولكننا نستطيع أن نشعر، أن نتعاطف، وأن نجعل أصواتهم مسموعة. فالريشة هنا ليست مجرد أداة للرسم، بل رسالة تضامن ورحمة وسلام».
كما أكدت الدكتورة العيسى في حديثها على الاعتزاز البالغ بالدور الإنساني الريادي الذي تقوم به المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين في دعم القضايا الإنسانية ومد يد العون للمحتاجين، مثمنةً في الوقت ذاته الدور العالمي الذي تضطلع به المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وموجهةً شكراً خاصاً للفنانين الذين جعلوا من إبداعاتهم مساحة حقيقية للحوار والتعاطف بين الشعوب.
لم تتوقف حدود التعبير عند اللوحات الفردية المعلقة، بل توج الحفل بولادة عمل فني جماعي استثنائي خطف الأبصار والقلوب، وهي «جدارية الأمل»، تضافرت في إنجاز هذه الملحمة البصرية نخبة من الفنانين التشكيليين، وهم: (د. منال الرويشد، عائشة الحارثي، عبدالله الخفاجي، محمد عابدين، فتون الغامدي، منيرة السليم)، الذين وقفوا جنباً إلى جنب ممتشقين فرشاتهم كمن يشهر سلاحاً في وجه اليأس.
عند تأمل تفاصيل الجدارية السردية، نجدها تنقسم بذكاء وتناغم إلى عوالم بصرية تعبر عن صلب القضية، في الجانب الأيسر يبرز بناء عمودي متراص ومتداخل يحاكي البيوت والمخيمات المتراكبة للاجئين، حيث تزدحم التفاصيل لتشي بقسوة التكدس وضيق المكان، لكن من قلب هذا التزاحم، تنبثق خطوات بيضاء ناصعة على درجات سلم عريض يرتفع نحو الأعلى. يسير على هذا السلم خيال بشري متجرد يحمل أمتعته في رحلة صعود مضنية نحو الضوء والانعتاق.
أما في الجانب الأيمن، فتتحول الألوان إلى مساحات أكثر إشراقاً ودعوة للحياة؛ حيث الأرض الخضراء الممتدة وأشجار النخيل الباسقة التي ترمز للأمان والاستقرار والنمو والتنمية، وفي مقدمة هذا المشهد تتألق طفلة ترتدي فستاناً أصفر مزهراً بالنباتات الخضراء، تنحني برقة طفولية لتلتقط شيئاً من الأرض، في لفتة تفيض بالبراءة والإقبال على الحياة، وكأنها تعيد اكتشاف العالم بعيداً عن الخوف والقصف والدمار.
وحول هذا العمل، أوضحت الدكتورة منال الرويشد أن هذه الجدارية تمثل «كلاماً يربط الفن باللاجئين والدور الإنساني للفن والتنمية»، مبينةً كيف يمكن للفعل التشكيلي أن يتحول إلى قوة حقيقية تساهم في صياغة الوعي الجمعي وإعادة بناء الإنسان نفسياً واجتماعياً، من خلال تحويل الطاقة السلبية والألم إلى منجز جمالي يدعو للبناء والتفاؤل مستقبلاً.
إن هذا الحفل بمعرضه وجداريته، يثبت للقاصي والداني أن المعارك الإنسانية الكبرى لا تُخاض فقط بالسياسة والاقتصاد والإغاثة المادية - على أهميتها القصوى - بل تُخاض أيضاً بالثقافة والفكر والوعي الجمالي، وهي الجهود الميدانية التنموية والإغاثية التي تقودها المملكة وتدعمها الريشة المبدعة لتعزيز الوعي بها.
لقد أثبت الفنانون في يوم اللاجئ العالمي بالرياض أن الفن يملك سلطة عليا، سلطة اختراق القلوب وتجاوز الحواجز النفسية محولاً قضية اللاجئين من ملف شائك في أروقة المنظمات إلى قضية حية تنبض في ضمير كل من يرى تلك الأعمال ويسكن في تفاصيلها.
ستبقى «جدارية الأمل» واللوحات التي تزين بها المعرض شاهدةً على أن الأمل لا يموت طالما أن هناك فرشاة ترسم، وقلباً يشعر، وإنساناً يؤمن بأخيه الإنسان، ومؤسسات كبرى كمركز الملك سلمان والصندوق السعودي للتنمية تدعم هذا الصمود على أرض الواقع. إنها دعوة مفتوحة للعالم أجمع ليقف وقفة تضامن حقيقية، وألا يغمض عينيه عن مأساة النازحين، عسى أن يأتي ذلك الفجر القريب الذي يطوي فيه كل لاجئ صفحة الغرفة، ويعود إلى وطنه حاملاً في قلبه ذكريات الألوان التي ساندته، والريشة النبيلة التي حفظت حكايته وكرامته وصانت أحلامه من الضياع.
** **
X: ALKHAFAJII