الهادي التليلي
الحديث عن العلاقات السعودية - التونسية عبر التاريخ يحتاج من الكاتب لا أسطر أو صفحات وإنما مكتبة كاملة من الإنجازات والمواقف والإخاء، تاريخ حافل وعلاقة وثيقة تحدت كل أنماط المنزلقات التاريخية والظروف الجيوسياسية، ومثلما ذكرنا سابقاً السعودية وتونس قلبان بنبض واحد.
عندما تتحدث عن علاقة تونس بالمملكة العربية السعودية تستوقفك محطات من النجاح والمحبة والفخر، علاقة فُتحت بفتح شمال إفريقيا في منتصف القرن السابع ميلادي زمن الدولة الأموية وتحديداً سنة 50 للهجرة من خلال عقبة ابن نافع، فكانت تونس منارة للإسلام لا فقط في شمال إفريقيا بل في كامل إفريقيا وتواصلت على مدى الأجيال، ليأتي الملك عبدالعزيز ويفعل هذه العلاقة بما تستحق من عبق ومحبة وقبل أن يغدق على الحركة الوطنية التونسية في مرحلة النضال من أجل التحرر، ودعمه المادي الكبير للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة سنة 1951 حين استقبله، فقد اصطفى أحد الأدمغة التونسية القادمة من ليبيا آنذاك ونعني ابن جزيرة قرقنة خالد القرقني بل ولم يكتفِ بكل هذا فقدم بتجربته وحنكته ونصح الزعيم الخالد الحبيب بورقيبة بسياسة الري قطرة قطرة في النضال، والمعبر عنها بسياسة المراحل والتي عرف بها بورقيبة، وهو ما رواه الباجي قايد السبسي الرئيس التونسي الراحل والمعاصر لبورقيبة في تلك المرحلة.
سياسة المراحل هي التي قدمها بورقيبة للأشقاء الفلسطينيين كحل تفترضه المرحلة وذلك فيما بعد في اجتماع أريحا لم يسمعه أحد من العرب ولكنهم ندموا كل الندم لعدم الإصغاء لصوت العقل.
وتواصل الدعم والسند مع كل الملوك السعوديين، فالملك سعود وهذا للتاريخ وضع كل إمكانيات المملكة سنة 1963 لنصرة الشعب التونسي في حرب بنزت والتي تسمى بحرب الجلاء، وما لا يعرفه الكثيرون فإن الكثيرين من أبناء السعودية الغراء طالبوا بالتطوع لنصرة القضية التونسية وهي مواقف لا تنساها الذاكرة التونسية لمواقف المملكة ومحبة ملوكها لبلدهم تونس، مواقف لا تخفى على لبيب ولعل زيارة الأمراء قبل أن يصبحوا ملوكاً لبلدهم الثاني تونس أكبر دليل، ففي أواسط السبعينات زارها الملك سعود مرتين وحينها كان أميراً، وبين منتصف الستينات وبداية السبعينات زارها الملك فيصل مرتين وقد حظي باستقبال مشهود، وفي سنة 1979 زارها الملك فهد حينها كان ولياً للعهد، وفي سنة 1988 زارها الملك سلمان حيث كان حينها أميراً للرياض، كما زارها الملك عبد الله أيضاً حين كان ولياً للعهد سنة 1999، ولعل الزيارة الأكثر توهجاً زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بمناسبة القمة العربية والتي أعادت عبق المحبة والمودة إلى أبهى صورها، وخلالها منح بلده الثاني تونس وتحديداً مدينة القيروان مستشفى جامعياً اختار التونسيون أن يطلقوا عليه مستشفى الملك سلمان، وكأن الملك سلمان باختياره للقيروان أعاد للذاكرة الجماعية صورة عقبة ابن نافع ولكن بالمنجز الخيري من خلال المستشفى. أيضاً تعد زيارة سمو ولي العهد في 27 نوفمبر 2018 فرصة لبناء استراتيجية مستقبلية للعلاقات بين البلدين الحبيبين تجلت ثمارها في الوقفة التاريخية للمملكة مع تونس في ما بعد أيام جائحة كورونا، حيث كانت هبة المملكة كفيلة بإنقاذ الآلاف المؤلفة من الموت بسبب العدوى من خلال منحة الملك سلمان عبر مركز الملك سلمان للإغاثة من خلال مليون جرعة لقاح، إضافة إلى مواد ومستلزمات عديدة منها أجهزة تنفس صناعي وأجهزة تكثيف أكسجين وأسرة طبية وغيرها.
تونس الوفية قيادة وشعباً لا تنسى مواقف شقيقتها المملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة والتي على رأسها ملكها المفدى وولي عهدها الأمين.
المملكة العربية السعودية هي الوحيدة من القوى الكبرى في العالم التي تقدم للبشرية دون ابتزاز سيادي سيادياً.
لذلك وغيره فإن محبة كل تونسي أصيل للمملكة تعد مزيجاً رائعاً من التقدير والمحبة والعرفان.
المحبة السعودية لشقيقتها تونس مست الجانب الثقافي من خلال التكريم لتونس وثقافتها من خلال إحدى دورات معرض الرياض الدولي للكتاب والذي جمع شمل الأسرة الثقافية والإبداعية التونسية كما لم تجتمع من قبل، وبالمثل كان تكريم السينمائيين والإعلاميين السعوديين المرموقين من خلال أيام قرطاج السينمائية.
وآخراً وليس أخيراً المدينة الطبية للملك سلمان بالقيروان والتي لم إطلاق أشغالها في أواخر سنة 2025 والتي ستكون نقطة إشعاع طبي وأكاديمي كونها مدينة جامعية في مجال تخصصات الجراحة الدقيقة وغيرها من التخصصات الطبية بتكلفة تتجاوز 130 مليون دولار أمريكي.
العلاقات السعودية - التونسية من عهد عقبة ابن نافع إلى الملك سلمان وولي عهده الأمين تعتبر منارة ومدرسة في مجال الدبلوماسية الناعمة والتي تجاوزت المراحل التاريخية والمسافات الجغرافية لتبقى راية إخاء ومحبة صادقة تزداد عبقاً يوماً بعد يوم.