فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود
حضرت كأس العالم عام 1974م في (ميونخ- ألمانيا) بين العملاقين ألمانيا وهولندا، وكتبت عن تجربتي في مقال (حلم العشرين عاما بين ألمانيا 74 وأمريكا 94) بمناسبة تأهل المملكة العربية السعودية إلى كأس العالم 1994 بأمريكا، كذلك كتبت مقال (من القوطي إلى قطر) بمناسبة تأهلنا إلى كأس العالم 2022 بقطر.
أكتب اليوم ونحن نعود إلى أمريكا (كأس العالم 2026) بصقورنا الخضر، أبنائنا وشبابنا ونخبة لاعبينا. المنتخب السعودي أكتب عنه كوني مواطنا ومشجعا ومتابعا ومحبًّا للمستديرة. أكتب مستبشراً بظهورنا الأول، ومحبطاً، لكن متوقعاً لنتيجة مباراتنا الثانية، ولا زلت متأملا بالتأهل في مباراتنا الثالثة.
كتبت في عام 94: «عشرون عاماً مرت منذ بداية التخطيط لتحقيق هذا الحلم من الملاعب التربية إلى الملاعب العشبية، ومن المنشآت العادية إلى المنشآت الحديثة المميزة، من الدورات المحلية إلى الدورات الإقليمية والقارية، من المدربين العاديين إلى المدربين الفطاحلة، من التركيز على المنتخب الأول إلى الاهتمام بقاعدة منتخبات الناشئين والشباب، من الاهتمام بالمهارات الفردية فقط إلى الوعي ومتابعة اللياقة والتغذية، من الإدارات البدائية والفردية في الأندية إلى الإدارات المتطورة والجماعية.
وأخيراً وليس آخرا من مسار الهواة إلى بداية طريق الاحتراف، ومن التغطية الإعلامية البسيطة (المجاملة) إلى لغة الأرقام والإحصائيات والنقد الصادق والتغطية العالمية المتطورة».
«وبما أننا جزء من ذلك الكيان الدولي فلابد لنا أن نبدأ طريق العالمية بعد ما تحقق الحلم لينعكس على واقع الحقيقة وعلى الإيمان بإمكاناتنا ومكانتنا. ويجب أن نتكلم لغة العصر بلهجتنا المؤمنة بعقيدتنا، مستفيدين من التجارب التي سبقتنا، والمستوى الذي أوجد الخبرة الطويلة والإمكانات التكتيكية واللياقة والانضباطية في عالم الاحتراف الغربي.
يجب أن نذهب إليهم، بل يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك بتشجيع لاعبينا على الالتحاق حتى ولو بفرق الدرجة الثانية في دول لديها دوري متطور واحترافي، وبذلك ندعم المستقبل بخبرة أولئك الشباب ليحسوا بمعنى الغربة والاحتراف والانضباط، ونعطي الفرصة للبديل محلياً لكي يحلَّ محل من احترف خارجياً، وندعم الخبرة بالشباب. كذلك يجب أن تبدأ الأندية السعودية بتطبيق الاحتراف الإداري عليها، وأعني بذلك أن النادي يدار كمؤسسة تجارية أو كشركة مساهمة يملك المواطن فيها ما تكرمت به عليه حكومته؛ لأن الدولة أوجدت الأساس، ثم أعطت. وحان الوقت بأن تعطي الأندية معتمدة بعد الله على إدارتها وإمكاناتها».
«وأخيرا.. لست خبيراً في عالم كرة القدم، ولكن ما رأيته ورآه العالم يحمل الخبرة الفردية والتفاني الشخصي الذي يجب أن يترجم في عام 98 إلى الخبرة الجماعية والأسلوب الواثق كفريق محترف متطور يتطلع إلى الفوز في القرن الحادي والعشرين. فبعد عشرين عاماً هنيئاً لنا بهذا الإنجاز، وهنيئاً لنا بكل من ساهم وتفانى في تحقيقه، هنيئاً لنا بفيصل وسلطان ورفاقهم في الاتحاد السعودي لكرة القدم، وهنيئاً لنا بماجد، ومحمد، ومحمد، وفؤاد، وسعيد، وسامي، وفهد، وفهد، وخالد، وحمزة، وحمزة، وعبدالله، وعبدالله، وأحمد، وطلال، وعواد، وصالح، وحسن، وإبراهيم، وياسر.
هنيئاً لنا بالاثنين وعشرين نجماً الذين ملأوا سماءنا بأحلى شعاع أنار لنا معالم الطريق إلى المستقبل نحو القرن الحادي والعشرين؛ حيث نتطلع إلى حضور رياضي عالمي وفي شتى المجالات».
كما كتبت في عام 2022: «الأندية هي الأساس -ولله الحمد- فإننا نرى ما تقوم به الدولة من دعم وتطوير وتحديث وتمكين للأندية باستقطاب الخبرات، سواءً من لاعبين محترفين في قمة التصنيف العالمي، أو كوادر إدارية وبنى تحتية تكون الأساس للبناء المستقبلي الذي سيمكن أنديتنا من التنافس على أعلى مستوى، ويصنف دورينا عالمياً في مصاف الدول المتقدمة في لعبة كرة القدم. هنا أعود كمواطن محب لهذه اللعبة يتمتع بمشاهدتها عالمياً ومحلياً ومتعاطفاً مع منتخب بلده راجيا أن يراه في المستوى الذي تتطلع إليه الجهات المعنية بالرياضة بما تستثمره مشكورة في خططها للارتقاء بأنديتنا الرياضية.
هنا وكما كنت أرجو في مقالي الذي نبع من تعاطف ومحبة مراقب، وليس من متخصص وخبير قبل ثلاثين عاما، وعلى ضوء المتغيرات الكبيرة والكثيرة في مجال الرياضة عامة وكرة القدم خاصة، أتطلع إلى الثقة والدعم والمؤازرة التي اعتمدتها قيادتنا -أعزها الله- في إستراتيجيتنا الوطنية 2030 أن نوظف الكوادر القادرة، المتمكنة، والمتخصصة، ونعطيها الصلاحيات الكاملة، ونحاسبها ليس على النتائج الوقتية، بل طويلة المدى التي خطط لها؛ لتتماشى مع إستراتيجية الوطن.
إن ما حققناه في كأس آسيا هذه الأيام بقطر يجب أن نستفيد من نتاجه إيجابا وألا نستعجل في قراراتنا؛ لأن هناك أهدافا أكبر في إستراتيجيتنا للبناء والاستثمار المستدام. ويجب أن نكون واقعيين إذا ما قارنا أنفسنا بالدول المتقدمة في مجال كرة القدم التي لها مئات السنين، ونحن ليس لنا زمان منذ أن كان جيلنا يلعب «بالقواطي».
كأس العالم 26 ومنتخبنا بالرغم من كل الظروف التي مرَّ بها لازال ممثل الوطن، وما يجب علينا هو دعمه ومؤازرته مهما كانت النتائج.
هنا وكما ذكرت كمحب ومتابع ومشجع لهذه المستديرة، أتمنى من الله أن نخلق روح التوازن في بناء الأساس، والاستثمار في شبابنا ولاعبينا بناءً على إستراتيجيات مدروسة تحاكي الأسلوب الطبيعي لبناء الإنسان. وقد كانت لي تجربة مع الزملاء عندما تشرفت بالعمل في وزارة التربية والتعليم بتحمل مسؤولية الأمانة بتقديم (إستراتيجية الرياضة المدرسية) لتكون أساس القاعدة التي يبنى عليها. فكان اختيار المدرسة الإسبانية لتكون هي شريك البناء بحكم تميزهم في الرياضات المختلفة، ومن أهمها كرة القدم.
نعم، لقد حققنا مكانة عالمية للدوري السعودي سواء بالاستثمار أو الاستقطاب، وهنا يجب أن نخلق التوازن بين عدد اللاعبين الأجانب المشاركين في الأندية واللاعبين السعوديين في المراكز وعدد ساعات المشاركة. كما يجب الاستثمار بدعم اللاعب السعودي للاحتراف خارجياً، كذلك التهيئة الذهنية والهوية الثابتة من خلال أسلوب اللعب مع كل مدرب، ونوثق الثقة في المدرب السعودي، وأخيراً بناء الأساس في اللاعب من سن مبكرة بالتدريب المستمر وتعلم التكتيك والتركيز على التغذية واللياقة وهذا كما ذكرت يبدأ بالمدرسة أو الأكاديمية.
ختاماً أمامنا استحقاقات قريبة وبعيدة، أهمها كأس العالم 2034 الذي يتطلب حلولا من أهمها اختيار من خمسين إلى سبعين لاعبا بين سن 14-18 ووضعهم في برنامج وطني مبني على إستراتيجية واضحة تطبق ما ذكر أعلاه في بناء الأساس متكلين على الله، ثم على إيماننا بقدرة وموهبة الشاب السعودي إذا مُكن وأُعطي الفرصة والثقة ليحلق صقراً أخضر في عالمية المستديرة.