سلمان بن محمد العُمري
تأتي الإجازة كمساحة هادئة للراحة، ولتكسر رتابة الأيام، وتمنح الإنسان مساحةً هادئةً لالتقاط الأنفاس بعد دوامة صاخبة من ضغوط العمل للموظف، وعام دراسي حافل بالبذل للطلاب؛ فهي ليست مجرد ترف، بل ضرورة حتمية للآباء والأمهات لإعادة شحن الطاقات، وترميم الصحة النفسية والجسدية التي تنهكها الالتزامات اليومية، ولما كانت هذه المحطة مؤهلة لتشكل منعطفاً حقيقياً في حياة المرء أياً يكن موقعه، فإن رؤية الناس لها تتفاوت؛ فبينما يراها بعضهم فرصة للاستشفاء الذهني وتجديد النشاط، يتعامل معها آخرون بوصفها حقاً مكتسباً للاسترخاء المطلق، وينعكس هذا التباين على توقيت الإجازة وكيفية قضائها، وإن كانت الأغلبية العظمى تؤثر العطلة الصيفية لتمتين الروابط الأسرية، ومشاركة الأبناء بهجة الوقت، والترويح عن النفس بالسياحة والترحال داخل البلاد أو خارجها.
بيد أن الوعي الحقيقي بالإجازة عند أصحاب النفوس الأبية وأهل الجد والمسؤولية يتجاوز مفهوم «الفراغ السلبي» إلى «الراحة الإيجابية»؛ إذ يجدون فيها وقفة تأمل لتدارك ما فات وتحصيل ما هو آت، فيعيد التاجر ترتيب حساباته، ويقوّم الطالب مسيرته المعرفية ليستدرك ما فاته من مهارات، وبذلك تتحول الإجازة لديهم إلى مزيج ذكي من الاستجمام البدني، والتحفز الذهني، والاستثمار الذاتي الذي تحركه نية صالحة واعية.
وهذا المفهوم المتوازن الذي يجمع بين متطلبات الروح والجسد نجد أصله الأصيل في الهدي النبوي الشريف؛ كما يروي الصحابي الجليل حنظلة الأُسيديّ -رضي الله عنه- حين التقى أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- مشتكياً إليه خشية النفاق على نفسه جراء تبدل حاله بين مجالس الذكر ومشاغل الدنيا، قائلاً: «نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأيَ عَيْنٍ، فإذا خرجْنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعاتِ نسينا كثيراً»، فوافقه أبو بكر في شعوره، ولما عُرِض الأمر على المعلم الأول صلى الله عليه وسلم، رسخ منهج الفطرة الإنسانية والواقعية بقاربه الراقي قائلاً: «والذي نفسي بيده لو تَدومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكرِ لصافحتكم الملائكةُ على فُرُشكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة: ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً، ساعةً وساعةً».
إن هذا التوجيه النبوي يمثل ذروة الاعتدال والوسطية، ويؤصل لمفهوم الصحة النفسية بمفهومها الحديث؛ حيث يُعطى كل ذي حق حقه دون إفراط يُنهك النفس، ولا تفريط يُميت الهمة، وهو دعوة صريحة للمرء ليمارس الترويح المباح ويستمتع بجماليات الحياة، ليعود بعد ذلك إلى ميدان العمل والبناء بروح وثابة وقوة متجددة، شريطة أن تنأى هذه الأوقات عن مزالق الإسراف والتبذير، وأن يستحضر فيها الإنسان وأهله نية التقوى بالمتعة المباحة على أداء الواجبات العظيمة... أسأل الله تعالى أن يبارك لنا ولكم في أوقاتنا وسائر أيامنا وأعمالنا.