فاطمة الجباري
هناك لحظات لا يعود الإنسان فيها كما كان، لا لأن الأيام مرّت عليه فحسب، بل لأن شيئًا ما في داخله انكسر بصمت، دون أن يسمع أحد صوت ارتطامه. لحظات يقف فيها أمام نفسه غريبًا، يتأمل ملامحه القديمة فلا يعرفها، ويبحث عن صوته بين ضجيج الذكريات فلا يجده.
أحيانًا لا نفقد الأشخاص فقط، بل نفقد أجزاءً من أرواحنا كانت تسكن بالقرب منهم. يرحلون، وتبقى أماكنهم فارغة في القلب، كبيوت هجرتها الحياة. نحاول أن نملأ الفراغ بالكلمات، بالانشغال، بالضحكات العابرة، لكن بعض الفراغات لا يملؤها شيء، لأنها لم تكن فراغات عادية، بل كانت أوطانًا صغيرة سُلبت منا دون استئذان.
ما أصعب أن يشعر الإنسان بأنه لم يعد هو نفسه. أن ينظر إلى المرآة فيرى وجهه، لكنه لا يرى ذلك البريق الذي كان يسكن عينيه. أن يتحدث، فيخرج صوته مثقلًا بما لم يُقل، محمّلًا بأوجاع خبأها طويلًا خلف ابتسامات مجاملة، حتى صار الصمت أكثر فصاحة من الكلام.
الصمت ليس دائمًا راحة، بل قد يكون أحيانًا سجنًا واسعًا. نحبس فيه اعترافاتنا، وخيباتنا، وأسئلتنا التي لم تجد جوابًا. نخبئ فيه أسماءً لا تزال تنبض في الذاكرة رغم الغياب، ونخفي وراء جدرانه حنينًا يرفض أن يموت. وكلما حاولنا الهروب منه، أعادنا إلى النقطة ذاتها، كأننا ندور في دائرة لا نهاية لها.
كم هو غريب أمر الذكريات. نظن أننا تجاوزناها، فإذا بها تباغتنا من زاوية مهملة في العمر. رائحة عابرة، أو أغنية قديمة، أو صورة باهتة، تكفي لتفتح أبوابًا أوصدناها منذ سنوات. فنعود إلى الماضي بشراهة مؤلمة، نتصفح وجوه الراحلين، ونستعيد تفاصيل كنا نظن أنها ذابت في النسيان، فإذا بها ما زالت حية في مكان ما من القلب.
نحن لا نتذكر من نحبهم فقط، بل نتذكر أنفسنا حين كنا معهم. نتذكر النسخة القديمة منا، تلك التي كانت تؤمن أكثر، وتضحك أكثر، وتحلم أكثر. ولهذا يؤلمنا الحنين؛ لأنه لا يعيد الأشخاص وحدهم، بل يعيدنا إلى ما كنا عليه قبل أن تغيرنا الخسارات.
وربما كانت أقسى معارك الإنسان تلك التي يخوضها مع نفسه. حين يدرك أنه هو من صنع بعض أحزانه بيديه، وأنه منح ثقته لمن لا يستحقها، أو علق قلبه بأحلام أكبر من احتمالات تحققها. عندها لا يعود الألم آتيًا من الخارج فقط، بل يصبح جزءًا من مراجعة داخلية طويلة، يواجه فيها الإنسان أخطاءه، وأوهامه، وتوقعاته التي بالغ في تجميلها.
ومع ذلك، فإن الحزن ليس دائمًا عدوًا. أحيانًا يكون معلمًا قاسيًا، لكنه صادق. يعلمنا أن نرى الأشياء على حقيقتها، وأن نميز بين الوجوه العابرة والوجوه الباقية، وبين الكلمات التي تقال مجاملة والكلمات التي تنبع من القلب. الحزن يجرّدنا من الأوهام، ويتركنا أمام حقيقتنا العارية، لنبدأ من جديد.
هناك من يتحول بعد انكساره إلى شظية صغيرة تتناثر مع أول ريح، وهناك من يتحول إلى صخرة تعرف كيف تخفي شقوقها في العمق. ليس لأن الألم لم يمسّه، بل لأنه تعلّم كيف يعيش معه دون أن يسمح له بابتلاع ما تبقى من روحه.
فالإنسان ليس مجرد مجموعة من الخسارات. هو أيضًا قدرة عجيبة على النهوض. قد يتعثر، وقد يضعف، وقد يبكي في عتمة لا يراه فيها أحد، لكنه يحمل في داخله قوة خفية تدفعه إلى الاستمرار. قوة تجعله يقف بعد كل سقوط، ويجمع شظايا قلبه مرة أخرى، حتى وإن كانت يديه تنزفان.
ولعل أجمل ما في الروح أنها تعرف طريقها إلى الضوء مهما طال التيه. قد نخدع أحيانًا بسراب يبدو لنا حقيقة، فنركض خلفه بكل ما نملك من شوق، ثم نكتشف أنه لم يكن سوى وهم جميل. وقد نتبع نورًا ظنناه خلاصًا، فإذا به يقودنا إلى مزيد من الأسئلة. لكن ذلك لا يعني أن نتوقف عن البحث، فالحياة كلها رحلة بين الحقيقة والسراب، بين الأمل والانكسار، بين ما نريده وما يحدث فعلًا.
وفي النهاية، لا بأس أن نعترف بأننا تعبنا. لا بأس أن نقول إن بعض الذكريات ما زالت تؤلمنا، وإن بعض الأسماء ما زالت تمر في خواطرنا كنسمة حزينة. لا بأس أن نتعثر ونحن نحاول استعادة أنفسنا. فالتعافي ليس طريقًا مستقيمًا، بل رحلة طويلة من المصالحة مع ما حدث، ومع ما لم يحدث.
وحين نصل إلى تلك اللحظة التي نتصالح فيها مع ذواتنا، سندرك أن ما انكسر فينا لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية فهم أعمق للحياة. سندرك أن الروح التي ظننا أنها غادرتنا كانت تختبئ في مكان ما، تنتظر أن نعود إليها.
عندها فقط سنقول: نعم، مررنا بالكثير من الألم، وكثير من التيه، وكثير من الثرثرات المتمردة التي لم يسمعها أحد. لكننا بقينا هنا، أكثر نضجًا، وأكثر صدقًا، وأكثر قدرة على أن نحمل جراحنا دون أن نحمل معها هزيمتنا. فبعض الأرواح لا تنكسر، مهما ظنت يومًا أنها لم تعد هي… ومهما همست في لحظة ضعف: لا أنا أنا، ولا روحي معي.